مكتب الكويت
بقلم:
د. جمال جبارة – الإعلامي والكاتب المصري
في أمسيةٍ كويتيةٍ تضوعُ بعبقِ الكلمةِ الرصينة، وتحتَ ظلالِ “ملتقى سطور الثقافي”، شهدنا احتفاءً استثنائياً بالجمالِ والأدب؛ حيثُ التقتِ الأرواحُ على ضفافِ الإبداع، لتنسجَ من خيوطِ البيانِ مشهداً حضارياً يجسدُ رقيَّ المشهدِ الثقافي في كويتِ الخير والعطاء .
لقد كان المشهدُ لوحةً بصريةً وفكريةً بديعة؛ فبينما كانتِ القاعةُ تحتضنُ شغفَ الحضور، كانت شاشةُ العرضِ الكبيرة تعكسُ ملامحَ المبدعين، وكأنها نوافذُ مفتوحةٌ على عوالمِ الفكر. في ذلك المساء، لم يكنِ الحضورُ مجردَ مستمعين، بل كانوا شركاءَ في رحلةٍ أدبيةٍ رفيعة، يقودُ دفتها أسماءٌ تركت بصماتٍ واضحة في عالمِ الأدبِ العربي.
عرسُ الثقافة.. وحوارُ النخبة
تألقَ الملتقى باستضافةِ قامتينِ إبداعيتين، أثرتا وجدانَ الحاضرين بتجربتيهما الثريتين:
- الشاعر أحمد فرح الخليفة: ذلك القلمُ الذي يغزلُ من الألمِ أملاً، ومن الحيرةِ حكمةً. بصفتهِ عضواً في اتحادِ كتابِ مصر، وعضو اتحاد الشعراء العرب ورئيساً لنادي روحِ القراءة بالكويت، استعرضَ “الخليفة” مسيرتَه الأدبية، مستذكراً إصداراتِه التي سكنتِ الرفوفَ ككنوزٍ معرفية، مثل ديوان “روح وجسدان”، وديوان “تراتيل المساء”، وديوان “خطو بيدي”، وديوان “لهفة الرقص”، ليثبتَ أنَّ الشاعرَ مرآةٌ لعصرِه، وصوتٌ يصدحُ بصدقِ التجربةِ الإنسانية.
- الشاعرة عائشة العبد الله: صوتٌ كويتيٌ رقيقٌ وعميق، استطاعتْ بحضورِها الطاغي وقصائدِها المفعمةِ بالإنسانيةِ أن تخطفَ القلوب قبل الأبصار . بصفتها عضواً في رابطةِ الأدباءِ الكويتيين، قدمتْ إرثاً شعرياً لافتاً، من ديوان “خمسة أوتار في يدي”، إلى “أربى الذئاب في سلة القش”، وصولاً إلى “واقفة على قلبها كنجلة”. قصائدُها ليست مجرد كلمات، بل هي نبضٌ متصلٌ بالواقعِ والمشاعر.
“سطور”.. حيثُ يتنفسُ الأدب
لا يمكنُ الحديثُ عن هذا المشهدِ دونَ الإشادةِ بالدورِ الحيوي الذي يقومُ به “ملتقى سطور الثقافي”، بقيادةِ القديرة الأستاذة دلال العطار؛ تلك القامةُ الرائعة التي أدركتْ أنَّ الثقافةَ ليستْ ترفاً، بل هي ضرورةٌ لبناءِ الوجدان. إنَّ “سطور” اليوم ليس مجردَ نادٍ ثقافي، بل هو منارةٌ تستقطبُ المبدعين، وتفتحُ أبوابَ الحوارِ الحر، وتجعلُ من الكويتِ عاصمةً دائمةً للأدبِ والثقافة والألق.
لقد كانت أمسيةً تضافُ إلى سجلِّ الكويتِ الحافلِ بالمنجزاتِ الثقافية، أمسيةً تؤكدُ أنَّ الكلمةَ الطيبةَ لا تزالُ هي القوةُ الناعمةُ التي تقربُ المسافاتِ بينَ الشعوب، وأنَّ الإبداعَ العربيَّ بخيرٍ طالما هناكَ أقلامٌ تحترمُ عقلَ القارئِ وذائقتَه.
ختاماً، نرفعُ التحيةَ لكلِّ من ساهمَ في إنجاحِ هذا المشهدِ البهي، ممتنينَ لهذا الحوارِ الذي أعادَ لنا الإيمانَ بأنَّ “سطور” الحرفِ هي الباقية، وأنَّ الأدبَ سيظلُّ دائماً هو الملاذَ الأجملَ في زمنِ الصخب.

