بقلم د.سوهير الطوبل
حرمان الأطفال من آبائهم بوصفه شكلًا من أشكال الظلم الصامت للأبناء وألاباء في أن واحد فلا ينبغي أن يتحوّل الانفصال بين الزوجين إلى ساحة صراعٍ ممتدة يدفع ثمنها الأبناء. فبانتهاء العلاقة الزوجية، تبقى مسؤولية الأبوّة والأمومة قائمة لا يسقطها خلاف، ولا يبرّرها غضب، ولا يجوز أن تُدار بمنطق الانتقام أو تصفية الحسابات. ومع ذلك، تشهد مجتمعاتنا حالات يُمارَس فيها ظلمٌ صامت بحق الأبناء، حين تُقصى صورة الأب من حياتهم عمدًا، ويُحرَمون من حقهم الطبيعي في التواصل معه.
إن وجود الأب في حياة الطفل ليس امتيازًا تمنحه الأم أو تسحبه متى شاءت، بل هو حق إنساني وتربوي راسخ. فالأب يمثّل أحد أعمدة التوازن النفسي، ويسهم حضوره في بناء الشعور بالأمان والانتماء، كما يشكّل عنصرًا أساسيًا في تكوين الهوية وضبط السلوك. وحين يُنتزع هذا الدور قسرًا، تتصدّع منظومة الدعم النفسي للطفل، ولو بدا ظاهريًا متماسكًا.
وتتوهّم بعض الزوجات أن حرمان الأب من أبنائه يُعدّ انتصارًا شخصيًا أو وسيلة لحماية الأطفال، بينما هو في حقيقته نقلٌ للألم من ساحة الزوجين إلى عالم الأبناء. فالطفل لا يملك أدوات الفهم ولا القدرة على الفصل بين الخلافات، فينشأ مثقلًا بمشاعر الحيرة والحرمان والذنب، وقد تتجلى هذه المشاعر لاحقًا في صورة قلق، أو اضطراب في العلاقات، أو ضعف في الثقة بالآخرين.
ولا يقتصر الضرر على الحرمان المادي أو الجسدي من اللقاء، بل يمتد إلى تشويه الصورة الأبوية عبر الخطاب السلبي، أو الإيحاء بالذنب، أو تحميل الأب مسؤولية الانفصال أمام أبنائه. وهنا لا يُهدر حق الأب فحسب، بل تُربك نفسية الطفل، وتُزرع بداخله صراعات ولاءات لا طاقة له بها، فيجد نفسه ممزقًا بين الحب والانتماء والخوف من فقدان رضا الطرف الحاضن.
إن العدالة الحقيقية لا تتحقق بالإقصاء، ولا تُبنى على إنكار دور أحد الوالدين، بل تقوم على تغليب مصلحة الطفل، وتنظيم العلاقة الأبوية بما يضمن له الاستقرار النفسي والوجداني. فالأم القادرة على تجاوز ألمها الشخصي، هي الأقدر على حماية أبنائها من تبعات صراع لا ذنب لهم فيه.
ويبقى الأبناء شهودًا صامتين على ما جرى. قد لا يملكون اليوم القدرة على السؤال أو الاعتراض، لكنهم حين يكبرون، يعيدون قراءة المشهد بوعي مختلف، ويدركون من حاول حمايتهم، ومن استخدمهم أداة في معركة لم يختاروها أو فقط وسيلة لابتزاز الاب ماديا والضغط عليه .
وفي النهاية، يظل الأبناء أمانة لا يجوز الزجّ بها في نزاعات الكبار. فالخلاف الزوجي مهما اشتدّ، لا يمنح أحدًا الحق في مصادرة علاقة إنسانية أصيلة، ولا يبرّر حرمان طفل من أحد والديه، لأن أثمان هذا الحرمان تُدفع على المدى البعيد… من أعمارهم ونفوسهم.


