مقال

حياتنا والمتناقضات

ابو العز المشوادي 

 

كيف نعيش في عالم كله متناقضات كيف نعيش في عالم تتصارع فيه المصالح وتتناقض فيه المواقف وتتبدل فيه الحقائق أمام أعيننا 

عالم تتحدث فيه الدول عن السلام وهي تستعد للحرب وتُرفع فيه شعارات العدالة بينما يعاني المظلومون من الظلم وتُفتح فيه أبواب الثراء أمام البعض بينما يزداد الفقير فقراً ويقف الإنسان حائراً أمام غلاء المعيشة وتقلبات السياسة وتسارع الأحداث وكأنه يعيش في دوامة لا يعرف أين تنتهي ولا إلى أين تقوده؟

كل يوم يحمل إلينا خبراً جديداً وكل خبر يفتح باباً من القلق والتساؤلات حروب تندلع وأزمات تتفاقم وأسعار ترتفع ووعود تُطلق ثم تتبخر ومواقف تتغير بين ليلة وضحاها حتى أصبح الإنسان لا يدري أيصدق ما يسمع ! 

أم ينتظر ما ستكشف عنه الأيام

وفي خضم هذه المتناقضات يجد الإنسان نفسه أمام سؤال كبير 

كيف يحافظ على استقراره النفسي وسط عالم لا يعرف الاستقرار ؟

وكيف يخطط لمستقبله بينما تتغير الظروف من حوله؟

 وكيف يطمئن على أبنائه وأسرته وهو يرى أن ما كان بالأمس مضموناً قد يصبح اليوم موضع خوف وقلق؟

والحقيقة أن الإنسان لا يستطيع أن يوقف الحروب ولا أن يتحكم في قرارات الدول ولا أن يمنع تقلبات الاقتصاد لكنه يستطيع أن يحدد موقفه من كل ذلك وألا يسمح للأحداث بأن تسلبه عقله وراحته وقدرته على مواصلة الحياة

لسنا مطالبين بأن نحمل هموم العالم كلها فوق أكتافنا ولا بأن نعيش كل أزمة وكأنها نهاية الطريق بل علينا أن نميز بين ما نستطيع تغييره وما نعجز عن تغييره وأن نعمل فيما نقدر عليه ونترك ما وراء قدرتنا دون أن نفقد إنسانيتنا أو نتخلى عن مسؤولياتنا

وليس معنى ذلك أن نغلق أعيننا عن آلام الناس أو نتجاهل ما يحدث حولنا بل أن نبقى واعين دون أن نغرق في القلق ومتعاطفين دون أن نستسلم للعجز ومتمسكين بالحق دون أن نفقد الأم

إن الحياة لا تنتظر حتى تنتهي الحروب ولا تتوقف حتى تستقر السياسة ولا تؤجل أفراحها حتى تنخفض الأسعار فهناك أبناء يحتاجون إلى الرعاية وأسر تحتاج إلى المودة وأعمال تنتظر الإنجاز وأبواب للخير لا تزال مفتوحة رغم كل ما يحدث

ومن الحكمة أن نتابع الأخبار بقدر ما نحتاج إلى المعرفة لا بقدر ما نستنزف به أعصابنا وأن نحسن تدبير أموالنا وأن نتجنب القرارات المتسرعة وأن نحافظ على علاقاتنا الطيبة وألا نجعل خوفنا من المستقبل يسرق منا ما نملكه في الحاضر

أما المؤمن فإنه يعلم أن الدنيا دار ابتلاء وتغير وأن دوام الحال من المحال وأن الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التوكل على الله بل هو من تمامه قال تعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ

إننا لا نملك أن نجعل العالم خالياً من التناقضات ولكننا نملك ألا نكون جزءاً من هذا التناقض نملك أن نصدق حين يكذب الآخرون وأن نعدل حين يظلم غيرنا وأن نرحم حين تقسو القلوب وأن نتمسك بمبادئنا حين تتغير المواقف وتتبدل المصالح

وفي النهاية لسنا بحاجة إلى عالم مثالي كي نعيش بسلام بقدر حاجتنا إلى عقول واعية وقلوب مطمئنة ونفوس تعرف أن الأمل ليس إنكاراً للواقع وأن التفاؤل ليس جهلاً بالمخاطر وأن راحة البال لا تعني أن الدنيا أصبحت بخير بل أن الإنسان تعلم كيف يعيش فيها دون أن يفقد نفسه

فكيف نعيش في عالم كله متناقضات

نعيش بالوعي لا بالخوف وبالعمل لا بالانتظار وبالإيمان لا باليأس وبالأمل الذي لا ينكر الواقع لكنه يرفض أن يجعل الواقع نهاية الطريق .

واعلم أن كل ما يجري في هذا الكون إنما هو بقضاء الله وقدره وأن لكل شيء سببًا ومقدارًا كتبه الله بحكمته وأن الإنسان مأمور بالسعي والأخذ بالأسباب أما التوفيق فمن الله وحده

فلا تيأس إن ضاقت بك السبل ولا تحزن إن تأخرت عنك الأمنيات ولا تظن أن تعثر خطواتك نهاية الطريق فكم من أمر ظنه الإنسان مستحيلاً ثم يسّره الله وكم من باب أُغلق في وجهه ففتح الله له أبوابًا لم تخطر له على بال

اسعَ واجتهد وتوكّل على الله ولا تستسلم لليأس فليس عليك أن تملك مفاتيح الغيب وإنما عليك أن تبذل ما تستطيع وتحسن الظن بربك وترضى بما يقضي به سبحانه

فقد لا تأتيك الحياة بما تريد ولكن ثق بأن الله لا تخفى عليه حاجتك ولا يغيب عنه دعاؤك ولا يضيع عنده سعيك

قال الله تعالى

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock