أخبار محلية

“جشع التجار يتحدى سلامة الغذاء”

كتبت /رحاب الحسيني

كيف يبيعون لك السم الأبيض في كوب القصب ‘دهانات الحوائط’ على أنها عصير قصب طازج؟

كوب الموت الأبيض ،كيف تحوّل عصير القصب من “مشروب الغلابة” إلى فخ كيميائي؟

في بلدٍ يمثل فيه عصير القصب الملاذ الأول لملايين المواطنين الباحثين عن نسمة ترطيب في قيظ الصيف، فجّرت الأجهزة الرقابية قنبلة مدوية هزّت أركان الشارع المصري؛ بعد كشف النقاب عن جريمة غش تجاري تجاوزت حدود التدليس لتلامس حدود العبث العمدي بالصحة العامة

الجريمة هذه المرة لم تكن مجرد تخفيف العصير بالماء أو زيادة السكر، بل تمثلت في حقن المشروب القومي بمادة “ثاني أكسيد التيتانيوم” ،تلك البودرة الكيميائية الناصعة البياض التي تُستخدم أساساً في صناعة الدهانات، الأحبار، البلاستيك، ومستحضرات التجميل

الفخ البصري ،بياض ناصع ورغوة خادعة القصة بدأت عقب حملات تفتيشية موسعة قادها جهاز حماية المستهلك بالتعاون مع هيئة سلامة الغذاء في محافظة القليوبية، وتحديداً في مدينة طوخ

حيث تم ضبط محال عصير قصب شهيرة تتلاعب بالمشروب وتضيف إليه هذه المادة الكيميائية

والسبب وراء لجوء عديمي الضمير لهذه المادة خبيث للغاية؛ فعصير القصب الطبيعي يميل بطبيعته إلى الأسوداد السريع نتيجة الأكسدة فور تعرضه للهواء

وهنا يأتي دور “ثاني أكسيد التيتانيوم” كـ “ساحر بصري”
يمنح العصير لوناً أبيض ناصعاً زائفاً، ويحافظ على نضارته لساعات طويلة، بل ويساهم في خلق رغوة كثيفة مستقرة توهم الزبون بأن الكوب طازج بنسبة 100%

السلاح الكيميائي الصامت أين تكمن الخطورة؟

مادة ثاني أكسيد التيتانيوم (المعروفة دولياً بالرمز E171)

كانت تُستخدم لسنوات طويلة كمادة ملونة ومبيضة في بعض الأغذية والحلويات

لكن المسار العلمي تغير تماماً؛ ففي عام 2021 أعلنت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية ، أن المادة لم تعد آمنة للإستهلاك الآدمي، ليتبع ذلك حظر رسمي شامل لبيعها أو إنتاجها في الأغذية داخل الإتحاد الأوروبي والعديد من الدول العربية إعتباراً من عام 2022

وتكمن الخطورة في النقاط التالية
السمية الجينية وتلف الـ DNA

أثبتت الدراسات الحديثة أن الجسيمات النانوية لهذه المادة تتراكم في الجسم ولا تذوب بسهولة، ما يهدد بتدمير المادة الوراثية وخلايا الحمض النووي على المدى الطويل

الإجهاد التأكسدي والسرطان
تصنف الوكالة الدولية لبحوث السرطان هذه المادة ضمن المجموعة (2B) كمادة يحتمل أن تكون مسرطنة للبشر، خاصة عند إستنشاق مسحوقها أو تناولها بجرعات عشوائية غير محسوبة، وهو ما يحدث تماماً داخل المعاصر العشوائية

تدمير الجهاز الهضمي والالتهابات المعوية
تتسبب المادة في خلل حاد بالتوازن البكتيري النافع في الأمعاء، وتزيد من نفاذية الأغشية الخلوية مما يمهد لطريق الفشل الكلوي والأورام

عشوائية وعبث، نحن لسنا في غابة!

السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة ويتردد صداه على لسان المواطنين والنواب في البرلمان
كيف تسللت مادة تستخدم في طلاء الجدران وصناعة البلاستيك إلى بطون البسطاء؟

إن ما يحدث في بعض معاصر العصير يتجاوز وصف “العشوائية” ليصبح إستهتاراً صريحاً بحياة الناس

المواطن يشتري كوب العصير ليهرب من حرارة الجو، ليفاجأ بأنه يجرع مركبات كيميائية معقدة صعبة الذوبان تؤذي خلاياه

إنها تجارة بآلام البشر تتطلب وقفة حاسمة وردعاً جافاً يغلق هذه الأماكن بالشمع الأحمر ويحيل أصحابها إلى المحاكمات الجنائية العاجلة.

خلاصة القول عصير القصب سيظل مشروبنا القومي المفضّل، ولكن حتى تعود الانضباطية الكاملة للأسواق، “بلاش الأيام دي عصير قصب” إلا إذا كنت واقفاً أمام الماكينة مباشرة وترى العود يُعصر أمام عينيك وينزل في كوبك دون إضافات سحرية من جردل مخفي تحت الطاولة

صحتنا ليست حقل تجارب، ولنا الله أمام هذا الجشع، لكن الوعي والإمتناع هو أول سلاح في يد المستهلك لمحاربة الفساد.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *