مقال

مافيا “الترند” الطبي : الخبيثات القاتلات

بقلم / أسماء عبده
من سلسلة مقالات (مغسلة العقول)

كانت تقف أمام المرآة، تتصفح هاتفها كالمعتاد. ظهرت أمامها “بلوجر” شهيرة، بجسدٍ ممشوق وابتسامة ساحرة، تتحدث بحماس عن “سحر” حقن التخسيس الجديدة، وعن نظام غذائي سري يذيب الدهون في أيام، بلا حرمان أو مجهود. اشترت الفتاة الوهم، وبدأت في التطبيق؛ فالإعلان يبدو حقيقياً، وصاحبة الفيديو لديها ملايين المتابعين.

 

في الأسبوع الأول، انخفض وزنها بالفعل، ففرحت، وظنت أنها امتلكت مفتاح السعادة. لكن في الأسبوع الثالث، توقف كل شيء. آلام مبرحة في البطن، غثيان مستمر، وشعور بأن الطعام يقف في جوفها كالحجر. وحين ذهبت إلى المستشفى، جاء التشخيص الصادم: شلل في حركة المعدة (Gastroparesis) نتيجة الأدوية والحقن العشوائية التي عطّلت عضلات معدتها تماماً. جلست على سرير العلاج تبكي، ليس لأنها لم تعد رشيقة، بل لأنها فقدت قدرتها على تناول لقمة طعام واحدة كأي إنسان طبيعي.

الألاعيب النفسية: كيف تصطادك “مافيا” السوشيال ميديا؟

 

ما يحدث اليوم في الفضاء الرقمي ليس مجرد “نصائح عابرة”، بل هو تجارة منظمة تقودها مافيا السوشيال ميديا. هذه المافيا لا تبيع منتجات فقط، بل تدرس “الاحتياجات النفسية” للمواطن، وتلعب عليها بذكاء خبيث:

 

اللعب على الرغبة في “الحلول السريعة”:
يدركون أن الإنسان بطبعه يميل إلى رفض المجهود الطويل، فيقدمون له “الجسم المثالي” في كبسولة أو حقنة سحرية، مغلفة بعبارات براقة، تخفي خلفها أعراضاً جانبية خطيرة، قد تصل إلى شلل المعدة أو الفشل الكلوي.

صناعة “العدو الوهمي”:
لإقناعك بالمنتج أو النظام المزيف، يبدأ المؤثر في إقناعك بأن “الطب الحديث مؤامرة”، وأن الأطباء والعلماء يريدون استنزاف أموالك، ليظهر هو في دور “المخلّص” الذي يملك الحقيقة.

ما هو أخطر: المتاجرة بأوجاع المرضى

إذا كانت المتاجرة بأحلام الرشاقة تؤدي إلى المرض، فإن المتاجرة بآلام المرضى الحقيقيين قد تؤدي إلى الموت.

 

الجانب الأكثر قذارة في هذه المافيا هو اللعب على أوجاع أصحاب الأمراض المزمنة والخطيرة، مثل السكري، والذئبة الحمراء، وحتى السرطان. يستغل هؤلاء لحظات الضعف الإنساني والإنهاك النفسي الذي يمر به المريض، ليبثوا سمومهم تحت مسميات براقة:

1. إيهام المرضى بأن “الدواء هو السم”:
يطلبون من مريض السكري أو السرطان إيقاف جرعاته الحيوية والعلاج الكيميائي فوراً، مدّعين أن العلاج الطبي هو الذي يقتله، وليس المرض.

2. الترويج لأنظمة قاتلة:
يخرج غير المتخصصين ليقنعوا المرضى باتباع أنظمة عشوائية، مثل ما يُطلق عليه زوراً “نظام الطيبات”، وهو في الحقيقة “نظام الخبيثات”؛ لأنه بلا أي أساس علمي، ولا دراسة طبية، ولا منطق بيولوجي. أنظمة قد تنهي حياة مريض كان يمكن إنقاذه لو استمر على بروتوكوله العلاجي الصحيح.

لماذا نصدق هؤلاء ونكذب العلم؟

 

لأن المريض يبحث عن “الأمل”، والبلوجر غير المتخصص يبيع “الأمل الزائف” بلا ضمير.

الطبيب الحقيقي يخبرك بالحقيقة: صعوبة العلاج، والوقت الذي يحتاجه جسمك للتعافي. أما هؤلاء، فيقدمون لك شفاءً وهمياً وسريعاً عبر الشاشات، مقابل ملايين المشاهدات، وأرباح الإعلانات، وبيع المكملات المجهولة.

هم يتقاضون ثمن “الترند” مقدماً، بينما يدفع المريض صحته وحياته ثمناً لثقته العمياء.

كلمة أخيرة.. كفى وهماً

أجسادنا ليست معامل لاختبار أفكار البلوجرز، وصحتنا ليست “ترنداً” يُقاس بعدد المشاهدات و”الإعجابات”.

قبل أن تتبع نظاماً، أو تُلغي دواءً حيوياً لمجرد أن “مؤثراً” واثقاً من نفسه تحدث عنه في فيديو مدته دقيقة، اسأل نفسك بصدق:

“هل هذا البلوجر سيتحمل مسؤولية تدهور حالتك، أم أنه سيحذفك من قائمة متابعيه بمجرد أن تُصاب بالمرض؟”

استيقظوا… الطب له أهله، ومكانه العيادات والمستشفيات والجامعات، وليس منصات السوشيال ميديا.

الصحة التي تذهب في “خمس دقائق” من التهور، قد لا تعود في سنوات من العلاج.

لا تتركوا “الخبيثات القاتلات” تلتهم أعماركم وصحتكم تحت شعارات كاذبة.

لو حابة، أقدر أديك نسخة *أكثر حِدّة وجدلية* تناسب النشر الصحفي القوي، أو نسخة *أكثر شاعرية* تناسب أسلوب “مغسلة العقول” بشكل أعمق.

#مغسلة_العقول
#أسماء_عبده
#الوهم
#الترندات
#صحوة
#نظام_الطيبات
#الطيبات
#الدايت
#نصائح_طبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى