بين عام هجري جديد وصخب المدرجات

محمود سعيدبرغش
مع بداية عام هجري جديد، نقف أمام ذكرى عظيمة لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل كانت حدثًا غيّر مجرى التاريخ، وأرسى دعائم الدولة الإسلامية التي قامت على العدل والرحمة والتعايش وحفظ الحقوق.
وفي الوقت الذي نستقبل فيه هذه الذكرى الخالدة، نجد كثيرًا من الناس قد اجتمعوا على متابعة مباريات كرة القدم، وتحليل نتائجها، وتشجيع فرقها، حتى أصبحت حديث المجالس والشوارع والمقاهي.
ولست ضد الرياضة في ذاتها، فهي وسيلة للترفيه والترويح عن النفس، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول من وسيلة إلى غاية، ومن هواية إلى شغلٍ يشغل العقول والقلوب عن قضايا أكثر أهمية.
كم من مقهى يمتلئ بالمشجعين قبل الفجر لمتابعة مباراة، فإذا أُذِّن لصلاة الفجر خلت الصفوف إلا من القليل؟ وكم من صديقين أو قريبين افترقا بسبب تعصب لفريق أو لاعب؟ وكم من ساعات تُهدر في الجدل الرياضي بينما تعاني أسر من التفكك، وشباب من الضياع، ومجتمعات من أزمات أخلاقية وفكرية متزايدة؟
إن أمتنا اليوم تواجه تحديات كبيرة؛ من تفكك أسري، وضعف في الروابط الاجتماعية، وانتشار بعض العادات السلبية التي تهدد القيم التي نشأنا عليها. ومع ذلك، نجد أنفسنا أحيانًا منشغلين بأمور ترفيهية أكثر من انشغالنا ببناء الإنسان وإصلاح المجتمع.
لا أحد يطالب بإلغاء الرياضة أو ترك التشجيع، ولكن المطلوب هو التوازن. أن نعطي كل شيء قدره، فلا نجعل مباراة تفرق بين الإخوة، ولا فريقًا يشغلنا عن واجب، ولا بطولة تنسينا هموم أوطاننا وأسرنا.
ومع إشراقة العام الهجري الجديد، لنجعل من الهجرة النبوية درسًا في البناء والعمل وتحمل المسؤولية، ولنسأل أنفسنا: ماذا قدمنا لأنفسنا وأسرنا ومجتمعنا؟ وهل أصبح الترفيه وسيلة تعيننا على الحياة، أم غاية تستنزف أوقاتنا واهتماماتنا؟
كل عام هجري وأنتم بخير، ونسأل الله أن يجعل هذا العام بداية إصلاح لأنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا.



