بين الحرية والقيم .. قراءة فى قضايا الفن والمجتمع

بقلم: د. كامل كمال عبد القوى النحاس
لم تُنشأ المهرجانات السينمائية لتكون ساحات تتسابق فيها الكاميرات لالتقاط الصور، أو مناسبات تتصدر فيها الإطلالات عناوين الأخبار، وإنما نشأت للاحتفاء بالفن، وتكريم المبدعين، وتقديم الأعمال التي تحمل رؤية إنسانية أو قيمة فكرية أو إضافة حقيقية إلى عالم السينما.
لكن المشهد يثير أحيانًا مفارقة تستحق التأمل؛ فبينما يُفترض أن تكون الأفلام محور الاهتمام، يتراجع الحديث عن الأعمال الفنية، ويتقدم الجدل حول الملابس والمظاهر، حتى يصبح الحديث عن إطلالة إحدى النجمات أكثر انتشارًا من الحديث عن فيلم يستحق المشاهدة أو قضية إنسانية تستحق النقاش.
وهنا يبرز سؤال مهم:
هل ما زالت المهرجانات تؤدي رسالتها الفنية والثقافية، أم أن الأضواء بدأت تحجب الفن الذي جاءت من أجله؟
من أجل ماذا نشأت المهرجانات السينمائية؟
نشأت المهرجانات السينمائية لتكون منصات للاحتفاء بالإبداع، وعرض الأفلام المتميزة، واكتشاف المواهب الجديدة، وتكريم أصحاب التجارب المؤثرة، وفتح أبواب الحوار بين الثقافات. فالسينما ليست مجرد صور تتحرك على الشاشة، بل وسيلة فنية تستطيع أن تلامس الوجدان، وتطرح الأسئلة، وتكشف جوانب من حياة الإنسان قد لا نلتفت إليها في زحام الحياة اليومية.
وقد ينجح فيلم في أن يوقظ ضميرًا، أو يغير نظرة إلى قضية اجتماعية، أو يجعل المشاهد أكثر قدرة على فهم معاناة الآخرين.
ومن هنا تأتي قيمة الفن؛ فهو لا يقتصر على الترفيه، بل يمكن أن يسهم في تشكيل الوعي وتوسيع الأفق الإنساني، متى امتلك الصدق والعمق والقدرة على التعبير.
ومن هذا المنطلق، يمثل مهرجان الجونة السينمائي وغيره من المهرجانات فرصة لدعم صناعة السينما، والتواصل مع التجارب العالمية، وتقديم الإبداع المصري والعربي إلى جمهور أوسع.
غير أن قيمة المهرجان لا تُقاس بحجم الأضواء المسلطة عليه، ولا بعدد الصور المتداولة عنه، بل بما يقدمه من أعمال تستحق المشاهدة، وما يفتحه من حوار حول الفن والإنسان والمجتمع. وحين تستأثر المظاهر بالاهتمام، بينما يغيب مضمون الأفلام عن النقاش، يصبح من حقنا أن نتساءل عما إذا كانت الأولويات قد اختلت.
الحرية الشخصية وثوابت المجتمع
يبرز في هذا السياق جدل إطلالات النجمات، وما يرافقه من نقاش حول الحرية الشخصية وحدودها. ومن المهم أن نبدأ من قاعدة واضحة: للإنسان مساحة من الاختيار في مظهره وملبسه، لكن الحرية في المجتمع ليست انفصالًا عن المسؤولية، ولا تعني أن كل اختيار يصبح مقبولًا اجتماعيًا وأخلاقيًا، أو أنه بمنأى عن النقد.
فالفنانة التي تظهر في مناسبة عامة تمارس حقها في الاختيار، لكنها تظهر أيضًا في فضاء عام يتفاعل فيه الناس مع ما يرونه، وتُناقش فيه المظاهر وفقًا لقيمهم وتصوراتهم. وليس من الإنصاف أن نطالب الجمهور بالصمت عن كل ما يخالف قناعاته بحجة الحرية الشخصية، كما لا يصح أن نجعل الاختلاف ذريعة للإهانة أو التشهير.
إن حرية اختيار المظهر لا تعني التحرر من كل مسؤولية، ولا تمنح الإنسان حصانة من النقد؛ فحرية الفرد ينبغي أن تُمارَس في إطار يحترم قيم المجتمع وثوابته الدينية والأخلاقية والحضارية، لا في مواجهة هذه الثوابت أو استهانة بها.
ومجتمعنا المصري، بمسلميه ومسيحييه، له جذوره الدينية والأخلاقية والحضارية، وله تقديره لمعاني الحياء والاحتشام وكرامة الإنسان ومكانة الأسرة. ومن حق المجتمع أن يتمسك بهذه القيم، وأن يعبر عن رفضه لما يراه متعارضًا معها، وأن يناقش المظاهر العامة في ضوئها. فالقيم ليست عبئًا ينبغي التخلص منه حتى نثبت انفتاحنا، وليست الهوية قيدًا يمنعنا من التطور؛ بل إن النضج الحضاري يتمثل في القدرة على الانفتاح على العالم دون التفريط في الثوابت التي تمنح المجتمع خصوصيته وتماسكه.
ولا يعني ذلك أن جميع المصريين يتفقون على معيار واحد في تفاصيل المظهر، أو أن كل اختلاف في الذوق خروج على الأخلاق. لكن اختلاف التقديرات لا يلغي وجود مرجعية دينية وأخلاقية يستند إليها قطاع واسع من المجتمع، ولا يجعل الاحتكام إليها أمرًا معيبًا أو دعوة إلى الانغلاق.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن هذه الثوابت لا يمنح أحدًا الحق في الانتقاص من إنسان أو الحكم على نيته. وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى منهج الدعوة والحوار بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
[النحل: 125].
فالحكمة لا تعني التنازل عن المبدأ، كما أن التمسك بالمبدأ لا يبرر القسوة في التعبير عنه. نستطيع أن نرفض مظهرًا لا يتفق مع قيمنا دون أن نهين صاحبته، وأن نتمسك بثوابتنا دون أن نجعل النقد وسيلة للتشهير أو تصفية الحسابات. فالمقصود هو تقويم الظاهرة ومناقشة آثارها، لا تحويل النقاش إلى خصومة شخصية.
من المسؤول عن المشهد؟
لا تتعلق القضية بالفنانات وحدهن؛ فإدارة المهرجان مسؤولة عن إبراز رسالته الفنية والثقافية، ووسائل الإعلام مسؤولة عن تحديد ما تمنحه الأولوية، ومنصات التواصل تسهم في تضخيم بعض المشاهد على حساب غيرها. أما الفنانون والفنانات، فإن حضورهم وتأثيرهم يجعلان اختياراتهم العلنية موضع اهتمام عام، وهو ما يستدعي وعيًا بأن الشهرة لا توسع دائرة الامتيازات وحدها، بل توسع أيضًا دائرة المسؤولية.
ومن ثم، فإن الارتقاء بالمهرجانات يبدأ باستعادة مكانة الفن، وإعطاء الأعمال الجادة ما تستحقه من اهتمام، وتقديم صورة حضارية تجمع بين الإبداع واحترام قيم المجتمع. وليس المطلوب أن نفرض ذوقًا واحدًا على الجميع، بل أن ندرك أن الحرية لا تعني إلغاء المسؤولية، وأن احترام القيم لا يعني مصادرة حق الإنسان في التعبير.
فالمهرجان الناجح ليس الذي يشغل الناس بإطلالات ضيوفه فحسب، بل الذي يدفعهم إلى مشاهدة أفلامه، وتقدير مبدعيه، ومناقشة قضاياه. أما إذا طغى الجدل حول المظاهر على مضمون الحدث، فإننا نكون قد منحنا الهامش مساحة أكبر من المتن، وسمحنا للضجيج بأن يحجب الرسالة التي كان ينبغي أن تصل إلى الجمهور.
ويبقى السؤال الذي يقودنا إلى القضية التالية: كيف نوازن بين حق الفنانة في اختيار مظهرها، وحق المجتمع في التمسك بقيمه وثوابته، دون مصادرة للحرية أو تفريط في الهوية؟
هذا ما نناقشه في المقال التالي، عند تناول إطلالات النجمات بين الحرية الشخصية وقيم المجتمع المصري.



