التقرير الاستراتيجي الشامل: انتخابات الكنيست الـ26، سيناريوهات تشكيل الحكومة، وتداعياتها الإقليمية

بقلم: أشرف عبد الحميد
تأتي انتخابات الكنيست الإسرائيلي الـ26 لتكشف عمق الأزمة السياسية الهيكلية والانسداد المتكرر داخل بيئة صنع القرار في إسرائيل. ولا تقف نتائج هذه الانتخابات عند حدود توزيع المقاعد الحزبية داخل الكنيست، بل يمتد أثرها المباشر لتحديد اتجاهات البوصلة الأمنية والعسكرية ومستقبل التوازنات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
أولاً: مشهد النتائج وحالة الانسداد السياسي (Deadlock)
أسفرت عملية فرز الأصوات عن نتائج كرّست حالة من الانقسام الحاد والتوازن السلبي بين الكتل السياسية الرئيسية (مع استلزام 61 مقعداً لتشكيل الأغلبية الحكومية):
كتلة اليمين والحريديم (بقيادة بنيامين نتنياهو): حصدت 53 مقعداً (الليكود 27، أحزاب الحريديم “شاس ويهدوت التوراة” 13، الصهيونية الدينية وعُتصبة يهوديت 13).
كتلة المعارضة والمعسكر الصهيوني الوسطي/العلماني (بقيادة غادي آيزنكوت): حصدت 48 مقعداً (حزب “يشار” الوسطي برئاسة آيزنكوت 21، “بيحاد” برئاسة بينيت 12، “الديمقراطيون” 8، و”إسرائيل بيتنا” 7).
القوائم والأحزاب العربية: حصدت 19 مقعداً (القائمة المشتركة 11–12 مقعداً، والقائمة العربية الموحدة 7–8 مقاعد).
ثانياً: ورقة تقدير موقف — سيناريوهات تشكيل الحكومة المرتقبة
تضع هذه النتائج رئيس الدولة الإسرائيلية أمام خيارات معقدة لتكليف شخصية قادرة على جمع الأغلبية، وتتمحور المسارات المحتملة في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: حكومة “وحدة وطنية موسعة” (الاحتمال الأرجح)
المضمون: توافق اضطراري بين حزب “الليكود” وأحزاب الوسط (“يشار” برئاسة آيزنكوت أو “بيحاد” برئاسة بينيت) لتشكيل حكومة ائتلافية معتدلة نسبياً تتجاوز اليمين المتطرف (بن غفير وسوتريتش) وتُبعد أحزاب الحريديم.
المحفزات: الضغوط الأمريكية والأزمة الاقتصادية الراهنة، وحاجة المؤسسة العسكرية لقيادة مستقرة تخفف من حالة الاستقطاب الداخلي.
العقبات: الاشتراطات المتبادلة بشأن ملف محاكمة نتنياهو والتحقيق في إخفاقات أكتوبر 2023.
السيناريو الثاني: حكومة أقلية بمعاونة خارجية
المضمون: محاولة كتلة المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت تشكيل حكومة نِصاب مفترض (أقل من 61) تعتمد على دعم وتصويت خارجي من القوائم العربية دون إشراكها رسمياً في الحقائب الوزارية.
العقبات: الرفض القاطع من قبل أطراف اليمين العلماني (مثل أفيغدور ليبرمان) للاتكاء على الأصوات العربية في قضايا الأمن والتصويت الميزاني.
السيناريو الثالث: الفشل التنظيمي والذهاب لانتخابات جديدة
المضمون: عجز الكتل عن تقديم أغلبية حاسمة خلال المهلة الدستورية (28 يوماً)، مما يدفع نحو تمديد مهام حكومة تسيير الأعمال والتحضير لانتخابات مبكرة جديدة.
ثالثاً: تداعيات الانتخابات على الأمن القومي العربي والمنطقة
بغض النظر عن الاسم الذي سيتولى مقاليد رئاسة الوزراء، فإن الخطوط العريضة للاستراتيجية الإسرائيلية اتجاه الإقليم تظل محكومة بثوابت المؤسسة الأمنية:
تجميد حل الدولتين وتعميق الاستيطان: إجماع الطيف السياسي الإسرائيلي (يميناً ووسطاً) على رفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة، ومواصلة فرض التغييرات الديمغرافية على الأرض في الضفة الغربية والقدس.
تكثيف نهج “المعركة بين الحروب”: استمرار المخططات العسكرية والتكتيكات الميدانية القائمة على شن ضربات استباقية واغتيالات واستهداف للساحات المجاورة (لبنان، سوريا، اليمن، وإيران) للحد من قدرات محور المقاومة وحماية مفهوم الردع.
توظيف النزاعات الداخلية واستهداف الجيوش الوطنية: الاعتماد على اختراق المليشيات وإذكاء الصراعات البينية والدينية في الإقليم بهدف إنهاك المؤسسات الوطنية للدول العربية وتشتيت قواها.
العلاقة مع الموقف الأمريكي: المحافظة على التنسيق الاستراتيجي مع واشنطن لضمان التفوق العسكري النوعي (QME) والغطاء السيادي في المنظمات الدولية، بصرف النظر عن أي تباينات تكتيكية بشأن إدارة ملفات غزة ومستقبل التهدئة.



