قصص

اَلْيَتِيمُ

اَلْيَتِيمُ
بقلمي علي بدر سليمان -الجزء الرابع-

يعودُ “باسم” من عمله وقد انطوت ساعاتُ كدحه مبكرًا، فيلوح له من بعيد مشهدٌ يأسر قلبه؛ تُطلّ زوجته “عائدة” من دار جيرانهم “عماد” و”ملك”، تحتضن صغيرتهما “نهلة” الوديعة، وتحلّق بها في فضاء الفرح، راقصةً كأنها ملكت الدنيا، وكأنّ الطفلة بضعةٌ من روحها.
ارتسمت على وجه “عائدة” سعادةٌ غامرة تفيض بشرًا وتدور بالصغيرة زهوًا، ليتلاشى أمام هذا المشهد عناد “باسم”، ويقرر في لوعته الخضوع لرغبتها الدفينة في إنجاب طفل يملأ
عليهما الحياة.
غمرت الفرحةُ قلب “عائدة” حين أعلن موافقته، وما هي إلا شهورٌ قلائل حتى حملت بالطفل الموعود.
أحاطها “باسم” بفيض عنايته ورعايته، والتزمت بالتحاليل الدورية والفحوصات اللازمة لتأمين سلامة الجنين المتكوّن في أحشائها.
غير أنَّ الأقدار تخبئ خلف مخاضها شجنًا؛ فبعد عناء مرير وإجهاد سحق جسدها الضعيف في المستشفى، وضعت “عائدة” وليدها، لكنَّ نزيفًا حادًا وجارفًا اختطف روحها، لترحل دون أن تكتحل عيناها برؤية صغيرها، أو تحظى بنظرة واحدة في عينيه.
غرق “باسم” في لجة حزنٍ سرمدي، وارتدت به الذاكرة إلى سنوات خلت، قضاها معها في وئام، مستحضرًا أجمل أيام عمره الآفل.
وحين أقبلت الممرضة تحمل الرضيع، ضمه إلى صدره والدموع تنهمر من عينيه، هامسًا بمرارة: “كم انتظرتْ أمك قدومك يا بني، وطال بها المدى شوقًا إليك، لكنك حين أقبلت.. رحلتْ هي قبل أن تراك”.
غادر “باسم” المستشفى يحمل طفله الصغير، مستسلمًا لعبراته التي لم تتوقف، ينعى شريكة عمره التي غابت جسدًا وبقيت جرحًا لا يندمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى