اَلْيَتِيمُ

اَلْيَتِيمُ
بقلمي علي بدر سليمان -الجزء الخامس-
“كبر نادر الصغير؛ كبر في عالم لا يرحم الضعفاء. لم يكن لأبيه باسم مفر من انتزاعه من مقاعد العلم مع نهاية المرحلة الابتدائية؛ فالأمعاء الخاوية لا تصنع حالمين.
كان الصغير يسرق الطفولة سرقةً، ينتظر غياب والده ليمرح مع أولاد الجيران، تالياً آيات الرفض لكل عمل يقيد حريته.
لكن الموت كان أسرع من أحلام والده؛ ففي طريق العودة، دهس حادث سير جسد الأب الكادح، ليموت فوراً.
هناك، انجلت حقيقة الروابط البشرية؛ فالمجتمع الصغير لا يعترف بالفقراء.
تنكر له الأقارب لأن باسم عاش مَديناً للبؤس، ومات معدماً كما عاش سلفه.
بقيت الجثة بلا هوية عاطفية في المستشفى، فدفنته المؤسسة كغريب في مقبرتها المهجورة.
وبلا أي وازع إنساني، استعاد المكتب العقاري جدرانه، وطُرد نادر إلى عراء العالم.
على قارعة الطريق، تمدد بكاء نادر كصرخة وجودية، مجتراً أطياف زمن مضى، حيث كان الدفء ممكناً بين يدي أب وأم غيبهما الموت.”
كان عماد عائداً من عمله المثقل بهموم كسب العيش، حين استوقفه مشهد الطفل نادر؛ كان الصغير يبتلع غصاته ويشهق بنحيب يمزق شغاف القلب.
تحركت في نفس عماد نزعة الإنسانية الفطرية، فأشفق عليه واصطحبه إلى بيته ملتمساً له الأمان.



