مقال

المرأة في ميزان الإسلام: قراءة دعوية في اليوم العالمي للمرأة

 بقلم: د. محمد المصري 

يمثّل اليوم العالمي للمرأة مناسبةً عالميةً تتجدد فيها الدعوة إلى إنصاف المرأة والاعتراف بدورها في بناء المجتمعات وصناعة الحضارات. غير أن هذه المناسبة تفتح كذلك بابًا مهمًا للتأمل في الرؤية الحضارية التي يقدمها الإسلام للمرأة؛ تلك الرؤية التي سبقت كثيرًا من الأطروحات المعاصرة في إقرار الكرامة الإنسانية للمرأة وضمان حقوقها الأساسية.

لقد جاء الإسلام في بيئةٍ كانت المرأة فيها تعاني ألوانًا متعددة من الظلم الاجتماعي، فرفع عنها مظاهر القهر والإهانة، وأعلن مبدأ الكرامة الإنسانية التي يشترك فيها الرجل والمرأة على حدٍّ سواء. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، فجعل التكريم الإلهي للإنسان شاملًا للرجال والنساء جميعًا، دون تفريق في أصل الكرامة الإنسانية أو في القيمة الأخلاقية.

ومن هنا قرر الإسلام مبدأ المساواة في التكليف والمسؤولية والثواب، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. فالإيمان والعمل الصالح هما معيار التفاضل الحقيقي، وليس الجنس أو اللون أو المكانة الاجتماعية. وكذلك كرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كثير من الأحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم (إنما النِّساءُ شقائقُ الرِّجالِ)، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم وصية خاصة بها بقوله (استوصُوا بالنِّساءِ خيرًا).

لقد أعاد الإسلام صياغة مكانة المرأة في المجتمع من خلال منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات؛ فكرّمها أمًّا فجعل برّها من أعظم القربات، وكرّمها بنتًا فجعل الإحسان إليها طريقًا إلى الجنة، وكرّمها زوجةً فجعل العلاقة بينها وبين زوجها قائمةً على المودة والرحمة، كما منحها حق التعلم والتملك والمشاركة في الحياة الاجتماعية في إطارٍ من القيم والأخلاق التي تحفظ كرامتها وتصون إنسانيتها.

ولم يكن هذا التكريم مجرد نصوص نظرية، بل تجسد في الواقع العملي منذ العهد النبوي؛ فقد شاركت المرأة المسلمة في مجالات متعددة من الحياة، فكانت راويةً للعلم، ومربيةً للأجيال، ومشاركةً في خدمة المجتمع. وقد حفظ التاريخ الإسلامي نماذج مشرقة لنساءٍ كان لهن أثر بالغ في نشر العلم وبناء الوعي وترسيخ القيم.

ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفاء بـ اليوم العالمي للمرأة يمكن أن يكون فرصةً لإبراز التصور الإسلامي المتوازن للمرأة؛ تصورٌ يجمع بين تكريمها إنسانًا، وتمكينها عضوًا فاعلًا في المجتمع، مع الحفاظ على منظومة القيم الأخلاقية التي تضمن استقرار الأسرة وتماسك المجتمع.

إن التحدي الحقيقي في عالمنا المعاصر لا يتمثل فقط في المطالبة بحقوق المرأة، بل في تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والمسؤولية، وبين المشاركة المجتمعية وحماية البناء الأسري. وهذه المعادلة المتوازنة هي ما يقدمه الإسلام في رؤيته الحضارية للمرأة.

وفي الختام، فإن الحديث عن المرأة في الإسلام ليس دفاعًا عن الماضي بقدر ما هو استحضارٌ لنموذج حضاري متكامل، يؤكد أن نهضة المجتمعات لا تتحقق إلا بتكامل دور الرجل والمرأة معًا، في إطارٍ من القيم الإيمانية والإنسانية التي تجعل من الأسرة أساس البناء، ومن الأخلاق روح الحضارة، ومن الإنسان – رجلًا كان أو امرأة – محور رسالة الاستخلاف في الأرض.

صفاء مصطفي

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *