بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الرجال والرجولة فقال الحسن البصري والله لقد رأيت أقواما كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، ولقد رأيت أقواما يمسي أحدهم ولا يجد عنده إلا قوتا، فيقول لا أجعل هذا كله في بطني فيتصدق ببعضه ولعله أجوع إليه ممن يتصدق عليه، فتبارك الله كيف صعدت هذه الهمم بهم إلى القمم، وقيل يدخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بيته جائعا وقد كان يتعاهد إبل الصدقة في الهاجرة، فيأكل تمرة ويشرب عليها شيئا من الماء ثم يمسح على بطنه، ويقول ويح لمن أدخله بطنه النار، واعجبا يأكل تمرة وتحت يده أموال الدنيا تجبى إليه من المشارق والمغارب ثم يخشى على بطنه من النار، ويخطب يوم الجمعة فيقرقر بطنه من الجوع في عام الرمادة، فيخاطب بطنه الجائع ويقول قرقر أو لا تقرقر، والذي نفس عمر بيده لا تشبع من طعام حتى يشبع منه صبية المسلمين.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يصنع للناس طعام الأمراء، ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت، أرأيتم كيف تكون التضحية ؟ وهل بعد هذا العطاء من عطاء ؟ وهل بعد هذا البذل من بذل ؟ ولقد أمرنا الله تعالى أن نقول الكلمة الطيبة لجميع الناس دون تفرقة حيث قال الله تعالى ” وقولوا للناس حسنا” وكما قال تعالي ” وقولوا لهم قولا معروفا” فقد لا تستطيع أن تقدم المال للناس وللفقراء والمساكين لكنك تستطيع أن تقدم لهم الكلام الطيب، ولذلك جعل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم طيب الكلام من الصدقات حيث قال ” والكلمة الطيبة صدقة ” وقال ابن عثيمين رحمه الله “الصدقة لا تختص بالمال، بل كل ما يقرب إلى الله فهو صدقة بالمعنى العام لأن فعله يدل على صدق صاحبه في طلب رضوان الله عز وجل” وبين سبحانه الثواب العظيم الذي يترتب على قول الكلمة الطيبة فبها صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب والأوزار.
ومن الكلمات الطيبة هو تقدم نصيحة إلى الآخرين، فالدين النصيحة، ومنها أن تهدي ضالا وتعلم جاهلا وترشد تائها وتذكر غافلا، وتدعو كافرا إلى الإسلام، أو تبذل شفاعة حسنة، أو تقدم رأيا وتقترح فكرة، أو تروح قلبا وتنفس كربة، أو تبلغ آية وتروي حديثا وتنقل فتوى، أو تحيي سنة وتميت بدعة، أو تنشر دعوة، أو تنشط خاملا، أو تنمي موهبة وتخطط مشروعا، أو تشغل الناس بالله تعالى وأمره ونهيه وجنته وناره، أو تعلن عن محاضرة أو كتاب أو شريط مفيد، أو تقتنص الفرصة بالكلمة الطيبة، مع رفيق السفر في القطار أو الطائرة، أو فرصة اللقاء العابر على الوليمة أو أي مناسبة، أو جلسة استراحة في نادي أو مستشفى أو دائرة حكومية، أو جلسة المرافقة في الدراسة، أو في مجال إرتباط في التجارة أو أي معاملة، أو في السوق وعند الشراء، أو في الحدائق العامة.
أو في المسجد أو عند التعارف مع الغير في السفر، ومن هنا ينبغي على الداعية الإيجابي ألا يزهد أبدا بما عنده من العلم والخير، أو يبتعد عن تبليغ الأمانة، فما يدري أين يكون ومتى تؤتى كلمته عطاءها متى تثمر؟ ومن أهمية الكلمة ودورها في حياة الفرد والمجتمع أنها دعوة لتستعيد الأمة دورها الحضاري بنشر الخير اللفظي وبث الوعي للإنسانية جمعاء بالكلمة الطيبة يقول تعالي “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله” حتى تبنى الأمة بناء يتفق مع الشخصية الاسلامية، وحتى تدرك قيمة الكلمة وتربى الأجيال على كلمة الاسلام من جديد، وحتى نرقى بأسلوب حياتنا وتعاملنا وننأى بأنفسنا وألسنتنا وأقلامنا ووسائل إعلامنا عن التراشق برديء الكلام، وسيئ القول وليس معنى هذا أن نستسلم فلا ندافع عن أنفسنا فالمدافعة تكون أحيانا بالسكوت.
والإعراض عن الجاهلين، فإن الكلمة الطيبة حجاب ووقاية من النار يوم القيامة، وطالما هناك كلمة طيبة لابد أن يكون هناك كلمة خبيثة وهي بعكس الكلمة الطيبة، تمجها الآذان، ويظلم منها الوجدان، وتورد النيران، وتفرق الإخوان، كم أغلقت بابا ووضعت حجابا وقطعت أسبابا وفرقت أحبابا وأسخطت الخالق، وأوردت المهالك، هي شجرة خبيثة، قريبة جذورها، قصيرة فروعها، مُرة ثمارها، قد بلغ بها السُوس كل مبلغ فلا تنتفع بريّ ولا سماد، كالوتد والحجر لا حياة فيهما، فهى ضارة غير نافعة، فهي تضر صاحبها، وتضر ناقلها، وتضر متلقيها، وتضر كل من نطق بها، وتسيء لكل سامع لها.

