القاضي المُزيف… جريمة تهدد الثقة في العدالة


بقلم: د. رزق جهادي – المحامي بالنقض والدستورية العليا
في مشهد يبعث على القلق، تتكرر في الآونة الأخيرة وقائع انتحال صفة “قاضٍ” أو “مستشار”، حيث يظهر بعض الأشخاص مدّعين امتلاك سلطة أو نفوذ داخل المنظومة القضائية، مستغلين هيبة القضاء وثقة المواطنين لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
هذه الظاهرة لم تعد حالات فردية معزولة، بل أصبحت نمطًا إجراميًا يستهدف فئات مختلفة من المجتمع، خاصة أولئك الذين يمرون بأزمات قانونية أو يبحثون عن مخرج سريع لقضاياهم.
وتكمن الخطورة الحقيقية في استغلال حاجة المواطنين وخوفهم في لحظات ضعف، مقابل وعود زائفة بحل القضايا أو التأثير على مجريات العدالة.
القضاء في جوهره منظومة قائمة على الحياد والاستقلال، لا يعرف المجاملات ولا يقبل الوساطات، ولا يُدار عبر اتصالات هاتفية أو لقاءات سرية. فالقاضي الحقيقي لا يتواصل مع أطراف النزاع خارج القنوات الرسمية، ولا يطلب أي مبالغ مالية تحت أي مسمى، ولا يتدخل لصالح طرف على حساب آخر.
ومع ذلك، ينجح بعض المحتالين في خداع ضحاياهم عبر ادعاءات براقة، مثل “إنهاء القضية خلال أيام” أو “تخفيف الحكم مقابل مبلغ معين”، مستندين إلى جهل البعض بالإجراءات القانونية، أو رغبتهم في الوصول إلى حلول سريعة مهما كانت غير مشروعة.
ومن الناحية القانونية، فإن ما يحدث يُعد جريمة “انتحال صفة“، وهي من الجرائم التي تمس هيبة الدولة وثقة المواطنين في مؤسساتها. وقد تتشدد العقوبة إذا اقترنت بجرائم أخرى مثل النصب أو التزوير.
ولا يقتصر الضرر هنا على الخسارة المادية فقط، بل يمتد ليشمل ضياع حقوق قانونية حقيقية نتيجة الاعتماد على أشخاص لا صفة لهم ولا سند.
والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تخلق حالة من الشك لدى المواطنين تجاه المنظومة القضائية، وهو ما يمثل تهديدًا غير مباشر لاستقرار المجتمع، لأن العدالة لا تقوم فقط على النصوص، بل على ثقة الناس في نزاهة من يطبقها.
وفي هذا السياق، يصبح الوعي المجتمعي ضرورة لا رفاهية، فالمعرفة بطبيعة عمل القضاء يمكن أن تحمي الكثيرين من الوقوع ضحية لمثل هذه الجرائم.
وللتأكيد على أهم النقاط:
- القاضي لا يتواصل معك بشكل شخصي خارج الإطار الرسمي.
- لا يطلب أي أموال أو “مقابل خدمات”.
- لا يحل القضايا في السر أو عبر الهاتف.
- أي ادعاء بخلاف ذلك هو جريمة تستوجب المساءلة.
كيف تحمي نفسك؟
أولًا: لا تتعامل إلا من خلال محامٍ موثوق ومعروف بسجله المهني.
ثانيًا: تحقق دائمًا من صفة أي شخص يدّعي صفة قانونية.
ثالثًا: لا تدفع أي أموال خارج الأطر الرسمية أو دون مستند قانوني واضح.
رابعًا: بادر بالإبلاغ عن أي واقعة مشبوهة.
إن حماية نفسك تبدأ من وعيك، لأن القانون — مهما بلغت قوته — لا يستطيع حمايتك إذا منحت ثقتك لمن لا يستحق.
الخلاصة:
العدالة لا تُشترى، ولا تُدار في الخفاء، ولا تُباع عبر وسطاء… ومن يدّعي ذلك، فهو لا يهددك وحدك، بل يهدد المجتمع بأكمله.



