مقال

الغش في الثانوية العامة.. مسؤولية مجتمع لا وزارة وحدها


بقلم: ناصر سيد
مع كل موسم لامتحانات الثانوية العامة، تتجدد حالة الجدل التي تصاحب هذه المرحلة المفصلية في حياة مئات الآلاف من الطلاب وأسرهم. وبين أخبار ضبط محاولات الغش، والبيانات الرسمية التي تؤكد إحكام الرقابة داخل اللجان، تعود إلى الواجهة اتهامات متكررة تُوجَّه في معظمها إلى وزارة التربية والتعليم، باعتبارها المسؤول الأول عن كل ما يحدث داخل منظومة الامتحانات.


ولا خلاف على أن الوزارة تتحمل مسؤولية إدارة الامتحانات وتأمينها، وتطوير آلياتها، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب. لكن اختزال ظاهرة الغش في مسؤولية جهة واحدة لا يعكس حقيقة المشكلة، ولا يساعد في الوصول إلى حلول جذرية لها.


فالغش ليس قرارًا يُتخذ داخل لجنة الامتحان، بل هو نتاج منظومة متكاملة من الأفكار والسلوكيات تتشكل على مدار سنوات. يبدأ الأمر عندما يترسخ لدى الطالب اعتقاد بأن الدرجة أهم من المعرفة، وأن النتيجة تبرر الوسيلة، وأن التفوق يقاس بالمجموع وحده، لا بما يمتلكه من علم أو مهارة أو قيم.
ومن هنا، يصبح دور الأسرة حجر الأساس في بناء هذه القناعات. فالبيت الذي يربّي أبناءه على الصدق وتحمل المسؤولية واحترام قيمة العمل، يرسخ لديهم أن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالاجتهاد. أما عندما يتحول الحديث داخل بعض البيوت إلى أرقام ومجاميع فقط، دون اهتمام حقيقي ببناء الشخصية أو غرس قيمة الأمانة، فإن الطريق يصبح ممهدًا لتقبل فكرة الغش باعتبارها وسيلة لتحقيق الهدف.
ولا يمكن، بالطبع، تعميم هذا المشهد على جميع الأسر المصرية، فهناك آلاف الأسر التي تبذل جهودًا كبيرة في متابعة أبنائها، وتغرس فيهم قيم الانضباط والنزاهة. لكن الواقع يكشف أيضًا عن نماذج أخرى لا تكتفي بالتغاضي عن الغش، بل قد تسهم في تسهيله، سواء بتوفير وسائل الغش الإلكترونية الحديثة، أو بمحاولات إيصال الإجابات إلى الطلاب، أو بممارسة ضغوط على القائمين بأعمال الامتحانات، وهي وقائع شهدتها مواسم امتحانية متعاقبة، وتناقلتها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
والمفارقة الأكثر إثارة للدهشة أن بعض الأصوات لا تدين الغش بقدر ما تدين اكتشافه. فعندما يُضبط طالب متلبسًا بالغش، تتجه سهام النقد إلى صعوبة الامتحان، أو صرامة المراقبين، أو الإجراءات الأمنية، بينما يغيب السؤال الجوهري: لماذا دخل الطالب اللجنة وهو مستعد نفسيًا وأخلاقيًا للغش؟ ومن المسؤول عن وصوله إلى هذه المرحلة؟
ولا يعني ذلك إعفاء وزارة التربية والتعليم من مسؤولياتها. فمن واجبها الاستمرار في تطوير المناهج، وتحسين أساليب التدريس، وإعداد امتحانات تقيس الفهم والاستيعاب والقدرة على التفكير، لا مجرد الحفظ والاستظهار، فضلًا عن تأمين اللجان وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
لكن في المقابل، ينبغي أن ندرك أن الوزارة، مهما بلغت إمكاناتها، لا تستطيع أن تقوم بدور الأسرة. فهي تستطيع منع الهاتف المحمول من دخول اللجنة، لكنها لا تستطيع أن تمنع فكرة الغش من التسلل إلى عقل الطالب. ويمكنها تشديد إجراءات التفتيش، لكنها لا تستطيع أن تعوض سنوات من ضعف التربية أو غياب المتابعة الأسرية.
ولذلك، فإن التعامل مع الغش باعتباره أزمة تعليمية فقط، يُعد تبسيطًا لمشكلة أكثر عمقًا. فالقضية في جوهرها قضية قيم وثقافة مجتمعية، قبل أن تكون قضية إجراءات ولوائح. وما دام بعض أفراد المجتمع ينظرون إلى المجموع باعتباره الغاية الوحيدة، فإن محاولات الالتفاف على القواعد ستظل تتجدد مهما تطورت وسائل الرقابة.
إن مكافحة الغش تبدأ من الأسرة، وتتواصل داخل المدرسة، ويدعمها الإعلام، وتستكملها مؤسسات الدولة، كل في نطاق مسؤوليته. وعندما تتكامل هذه الأدوار، يصبح الالتزام بالقانون قناعة، لا مجرد خوف من العقوبة، وتصبح الأمانة سلوكًا راسخًا، لا خيارًا مؤقتًا.
إن بناء منظومة تعليم قوية لا يتحقق فقط بتطوير المناهج أو تحديث نظم الامتحانات، بل يبدأ ببناء الإنسان نفسه. فالطالب الذي يتعلم أن النجاح قيمة قبل أن يكون مجموعًا، وأن الاجتهاد طريق لا بديل عنه، هو القادر على صناعة مستقبله وخدمة وطنه.


ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل منا على نفسه، لا في موسم الامتحانات فقط، بل طوال العام: هل نريد أبناءً يحصدون الدرجات بأي وسيلة، أم نريد جيلاً يؤمن بأن النزاهة والاجتهاد هما أساس النجاح الحقيقي؟


الإجابة عن هذا السؤال لا تملكها وزارة التربية والتعليم وحدها، وإنما يشارك في صياغتها كل بيت، وكل مدرسة، وكل مؤسسة، وكل فرد في المجتمع. وعندما ندرك أن التربية مسؤولية مشتركة، سنكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو القضاء على ظاهرة الغش، لا نحو البحث كل عام عن متهم جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى