مقال

غِشُّ الأغذية.. قَتْلٌ عَمْد!قراءةٌ في جذورِ الفسادِ الممتدّ، وصرخةٌ لتغليظِ العقوباتِ إنقاذاً لما تبقّى من حياة

غِشُّ الأغذية.. قَتْلٌ عَمْد!
قراءةٌ في جذورِ الفسادِ الممتدّ، وصرخةٌ لتغليظِ العقوباتِ إنقاذاً لما تبقّى من حياة
بقلم: جمال القاضي

​إنَّ الغشَّ والفسادَ ليسا نبتةً شيطانيةً وُلدت اليومَ، بل هما جذورٌ سرطانيةٌ ممتدةٌ منذ زمنٍ بعيدٍ في جسدِ المجتمعاتِ. لم تكنِ الآثارُ خفيةً، بل بدت واضحةً جليّةً حينما طفت على السطحِ أمراضٌ مزمنةٌ وفتاكةٌ لم نعهدْها بهذه الكثافةِ من قبلُ. ولعلَّ الدليلَ الأكبرَ على تفشّي هذا الموتِ الممنهجِ هو ما نراه اليومَ من انتشارٍ مرعبٍ لأمراضٍ كالسرطانِ وتليفِ الكبدِ، والتي تعود في جوهرِها إلى “موتِ الضميرِ” وتغليبِ منطقِ الجشعِ. فلم يعدْ مهماً لدى هؤلاء مصيرُ البشرِ، بل المهمُّ هو: كم سنجني من الأرباحِ؟ وكم برجاً وشاليهاً سنملكُ؟ وأين سنقضي عطلتَنا القادمةَ؟ أما الضحايا، فلا بأسَ أن يموتوا، إذ يرى الفاسدُ بوقاحةٍ أنهم سيموتون حتماً، سواءٌ بفعلِ سمومِه أو بالموتِ الطبيعيِّ!

​صحوةُ نفسٍ أم حمّى استعراضٍ؟
​وأمام كمِّ الفسادِ والغشِّ الذي نطالعُه هذه الأيامَ، قد يتساءلُ البعضُ عن سرِّ هذه الحملاتِ الكاشفةِ. والحقيقةُ أنَّ هناك مَن نظنُّ بهم خيراً ممن صحتْ ضمائرُهم، ولكنَّ فئةً أخرى لم تستفقْ ضمائرُها بعدُ، بل كلُّ ما في الأمرِ أنها أصابتْها حمّى الظهورِ الإعلاميِّ؛ فهم يريدون التصويرَ والتباهيَ أمام الجمهورِ ليقولَ كلٌّ منهم: “أنا الذي اكتشفتُ هذا الفسادَ!”. ومع ذلك، دعونا نغلبْ بابَ حسنِ الظنِّ، عسى أن تكونَ الصحوةُ حقيقيةً لصالحِ هذا الوطنِ.

​مطبخُ الرعبِ: كيف نأكلُ سمومَنا؟
​إلى أين نسير معاً؟ هذا هو السؤالُ الذي نوجهُه إلى عديمي الضميرِ. لقد تحول الغشُّ إلى جريمةٍ سرياليةٍ لا يصدقُها عقلٌ؛ فهل يُعقلُ أن تُصنعَ “جبنةُ الموتزاريلا” من البلاستيكِ؟! وأن يُصنَّعَ “اللانشون” من كراتينِ البيضِ الفارغةِ بعد خلطِها بأخشابٍ معالجةٍ كيميائياً؟! وماذا عن مشروباتِ الطاقةِ المشبوهةِ المصنوعةِ من موادِ قاتلةِ على المدىً البعيد، أو اللحمِ المفرومِ الذي يعود لكلابٍ وحميرٍ، والأسماكِ التي تتغذى على أعلافٍ خلطت بمسحوقٍ للدواجن النافقة؟!

​إنَّ الكارثةَ لم تقفْ عند هذا الحدِّ، بل امتدتْ إلى إعادةِ تدويرِ زيوتِ الطعامِ الهالكةِ التي اسودَّ لونُها في البيوتِ، ليشتريَها لصوصُ الأقواتِ بثمنٍ بخسٍ (نحو 37 جنيهاً للكيلو)، ثم يقومون بقصرِ لونِها الأسودِ بالغلي مع العجينِ أو الفحمِ لإعادةِ بيعِها آخرى على أنها زيوت سليمة، أو تصنيعِ الصابونِ من هذه النفاياتِ. ناهيك عن “الزبدةِ الفلاحيِّ” المزعومةِ والتي يباع الكيلو منها بثمنٍ يتراوحُ ما بين 80 إلى 140 جنيهاً وما هي إلا شحومٌ وزيوتٌ مغليةٌ بالخضِّ، وهذه الرِّدّةِ المخلوطةِ بمطحونِ الخشبِ والتي يتم تصنيعُها في مصانعَ بعيدةٍ عن الرقابةِ، والشاي المغشوشِ بالترابِ أو برادةِ الحديدِ، والمخللاتِ الفاسدةِ في معظمِها والتي تحتوي على نمواتٍ بكتيريةٍ ضارةٍ، والهرموناتِ النباتيةِ المحظورةِ المحقونةِ في بعضِ مزارعِ الخضارِ والفاكهةِ. إنَّ كلَّ هذه المخازي تعكسُ موتاً سريرياً لضميرِ صانعيها .

​قتلٌ عمدٌ يستوجبُ الإعدامَ
​إنَّ العقوبةَ العادلةَ لهؤلاء هي الإعدامُ ألفَ مرةٍ؛ لأنَّ هذا الفاسدَ بغشِّه كان سبباً مباشراً في موتِ أبٍ كان يسعى على رزقِ عيالِه، أو موتِ طفلٍ بريءٍ حرقَ قلوبَ والديه عليه، أو موتِ أمٍّ تسببَ رحيلُها في تشردِ وضياعِ أسرتِها، أو موتِ شابٍّ في مقتبلِ العمرِ بأمراضٍ سرطانيةٍ نتيجةَ موادَّ كيميائيةٍ ومبيداتٍ محظورةٍ وُضعت في أقواتِ الناسِ.

​سؤالٌ إلى كلِّ فاسدٍ: أنتَ لستَ بعيداً!
​أيها الفاسدُ: هل تظنُّ أنكَ بمعزلٍ عن هذا الشرابِ المرِّ الذي كم سقيتَ منه غيرَك؟! هل تعتقدُ أنكَ ستعيشُ هانئاً طولَ حياتِك بلا مرضٍ؟! أم أنكَ تظنُّ أنَّ أموالَ الحرامِ التي جمعتَها ستكونُ حصناً لكَ؟! هل خُيِّلَ إليك أنكَ صنعتَ لنفسِك جنةً بعيدةً عن عينِ اللهِ، أو أنكَ تملكُ الدنيا والآخرةَ؟! كيف تضمنُ أنكَ لن تُحاسبَ؟!

​روشتةُ الإنقاذِ: خطةُ المواجهةِ الحاسمةِ
​أين ذهبَ الضميرُ؟ لا بدَّ اليومَ من وقفةٍ تشريعيةٍ حازمةٍ لتغليظِ العقوباتِ في القانونِ لتصلَ إلى الإعدامِ لكلِّ من يستخدمُ موادَّ غيرَ مصرحٍ بها وثبتَ أنها تسببُ أمراضاً مزمنةً كتليفِ الكبدِ أو السرطانِ؛ فكلاهما موتٌ زؤامٌ. تلك الموادُّ التي تقتلُ ربَّ الأسرةِ فتدمرُها مادياً ومعنوياً.
​كما يجب تشديدُ الرقابةِ على “مَن يُوكلُ إليهم كشفُ الفسادِ”؛ فكلُّ من يتغاضى عن فاسدٍ أو يقبلُ رشوةً هو شريكٌ فعليٌّ في الجريمةِ يشجعُه على الاستمرارِ. وينبغي إحكامُ الرقابةِ على الموادِّ الغذائيةِ المستوردةِ، وكذا المبيداتِ والأسمدةِ والهرموناتِ النباتيةِ الداخلةِ في الإنتاجِ المحليِّ، مع ضرورةِ التفعيلِ الصارمِ للحجرِ الصحيِّ والزراعيِّ، وتصفيةِ ومنعِ الأدويةِ والمبيداتِ المحظورةِ.

و​أخيراً، نطالبُ بإنشاءِ قاعدةِ بياناتٍ علنيةٍ تُشهّرُ بأسماءِ التجارِ الفاسدين الذين ضُبطتْ لديهم مخالفاتٌ، مع شطبِهم نهائياً من السجلِّ التجاريِّ ومنعِهم من مزاولةِ أيِّ نشاطٍ تجاريٍّ مستقبلاً، ليكونوا عبرةً لمن لا يرتدعُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى