قصص
أخر الأخبار

السيد البدوي.. نظرة وتحليل

كتب/ خالد ماتع 

 

ولد السيد أحمد البدوي عام (596هـ – 675هـ / 1199م – 1276 ويعتبر البدوي من أكثر الشخصيات الصوفية التي عليها جدل وحب في مصر في نفس الوقت ، بين من يراه القطب الأعظم وباب النبي، ومن يراه رجلاً بلا مؤلفات ولا أثر فكري، اذن البدوي حالة فريدة تحتاج تحليل بعيد عن المديح المبالغ فيه أو الإنكار الكامل.

أولاً: الرتبة الرسمية في الهرم الصوفي ، في عرف الطرق الصوفية، لا يعتبر البدوي مجرد ولي، بل هو أحد الأركان الأربعة التي يقوم عليها التصوف الشعبي في مصر. ويطلق عليه رسميا القطب الثالث ، والأقطاب الأربعة بترتيبهم الزمني هم:

1. عبد القادر الجيلاني

2. أحمد الرفاعي

3. أحمد البدوي

4. إبراهيم الدسوقي

ودرجة القطبية في عرف الصوفية هي أعلى الدرجات الروحية، حيث يكون القطب هو مركز دائرة الولاية في عصره. ولذلك لُقب البدوي بـ *قطب الأقطاب، والقطب النبوي، وسلطان العارفين، وشيخ العرب، والملثم، والسطوحي، وأبو الفتيان، وجياب الأسير، والعطاب*.

وقد وصفته دار الإفتاء المصرية بأنه “ممن تربع على عرش الولاية الربانية والوراثة المحمدية” وصاحب الطريقة البدوية ذات الراية الحمراء، وهي اليوم أكثر الطرق انتشارا في مصر.

ثانيا: أين يقع البدوي وسط عمالقة التصوف؟*

لا يمكن فهم البدوي إلا بمقارنته بغيره، لأن كل واحد منهم مثل مدرسة مختلفة:

أبو يزيد البسطامي (الجد):هو المؤسس الروحي الأول لمدرسة الفناء والسكر (توفي 874م). صاحب شطحات “سبحاني ما أعظم شأني”. هو الأصل النظري البعيد الذي جاء البدوي بعده بثلاثة قرون.

الحسين بن منصور الحلاج (الشهيد) صاحب مقولة “أنا الحق” (858-922م). هو الحالة الثورية الفردية التي انتهت بالقتل. لا يملك طريقة ولا نظام أقطاب، بل يمثل قمة التضحية في الحب الإلهي

أبو حامد الغزالي (حجة الإسلام)ليس قطبا شعبيا، بل هو الفقيه الذي أعطى للتصوف الشرعية السنية من خلال كتابه “إحياء علوم الدين”. لولاه لما تقبل الفقهاء وجود التصوف. البدوي نفسه كان شافعي المذهب على خطى الغزالي.

محيي الدين بن عربي (الشيخ الأكبر) هو قمة الهرم النظري والفلسفي. صاحب “الفتوحات المكية” و “فصوص الحكم” ونظرية وحدة الوجود والختمية. عاصر البدوي (مات وعمر البدوي 41 سنة). إن كان ابن عربي هو عقل التصوف ، فالبدوي هو قلب التصوف الشعبي

ثالثا : الإشكالية الكبرى.. أين المؤلفات؟

وهنا النقد الأهم الموجه للسيد البدوي: لم يترك كتابا واحدا.

لا إحياء كالغزالي، ولا فتوحات كابن عربي. بل إن أحد ألقابه الرسمية هو الصامت ! لقلة كلامه.

هذا صحيح أكاديميا، فالرجل لم يخدم التصوف النظري بشيء. لكن الصوفية يرون أن خدمته كانت في مسار آخر تماما:

اولا : الخدمة التنظيمية لا التأليفية:* ابن عربي ألف 300 كتاب لم يفهمه إلا الخاصة. البدوي لم يؤلف، لكنه أنشأ مدرسة تربوية خرجت آلاف الدعاة من طنطا إلى مصر والشام واليمن، وأسس طريقة براية حمراء أصبحت الأكثر عددا.

ثانيا ؛ الخدمة الميدانية ،لقب بـ جياب الأسير و محرش الحرب و العطاب ، أثناء الحروب الصليبية على المنصورة، كان هو ومريدوه يفكون أسرى المسلمين من أيدي الصليبيين، وهي القصة التي أثبتها الإمام الشعراني في طبقاته بقوله “الله الله يا بدوي جاب الأسرى”.

ثالثا ؛ الخدمة كقدوة زهد عملية ،اعتكافه لسنوات طويلة فوق سطح مسجده في طنطا حتى سمي “السطوحي”، ليكون نموذج زهد حي يراه العوام، لا نظرية معقدة في كتاب.

باختصار، إذا كان المعيار هو العلم المدون ، فترتيب العظمة سيكون: ابن عربي، ثم الغزالي، ثم البسطامي، ثم الحلاج، ثم البدوي في الأخير.

أما إذا كان المعيار هو التأثير الشعبي والاستمرارية والقدرة على تحويل التصوف من فكرة نخبوية إلى حركة جماهيرية حية يزور مولدها الملايين كل عام ، فإن السيد أحمد البدوي يأتي على رأسهم جميعا بلا منازع، وهذا هو سر تسمية المستشرقين له بـ “زعيم صوفية مصر”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *