بقلم/ محمـــد الدكــــروري
إعلموا أنه إذا كانت السعادة هي شجرة منبتها النفس البشرية، فإن الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هو ماؤها وغذاؤها وهواؤها وضياؤها، فاتقوا الله واعلموا أن العلم الذي يبصر ويهدي، والهمة التي تحفز وترقي، إنما هما في الحقيقة مفتاحا مراتب السعادة والفلاح، وإنما تفوت هذه المراتب العبد من هاتين الجهتين أو من إحداهما، فإما أن لا يكون له علم بها، فلا يتحرك في طلبها، أو يكون علم بها ولا تنهض همته إليها ألا فاعلموا أن لفقدان السعادة أبوابا ينبغي إحكام إغلاقها وكشف عوراتها، فمن ذلك الغناء مزمار الشيطان، ورقية الزنا، الذي ينبت النفاق والقلق كما ينبت الماء الكلأ، كما أن من مهلكات السعادة، جعل البيت المسلم محلا لمردة الجن وبعد الملائكة، وذلك بنشر الصور التي حرمها الشارع على جدرانه وفي فنائه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول” لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة “
فما بال الكثيرين يغلقون أبوابهم في وجوه الملائكة ويستدعون أسباب الشقاء والقلق ثم هم ينشدون السعادة بعد ذلك؟ فإن من أبواب الشقاء هى الذنوب والمعاصي التي قال عنها النبى صلى الله عليه وسلم ” إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه “رواه أحمد، وقد قال الإمام أحمد”وجد في خزائن بني أمية حنطة، الحبة بقدر نواة التمر وهي في صرة مكتوب عليها هذا كان ينبت في زمن العدل” وإن سعادة القلب المثمرة ببركة الرزق منوطة بالطاعة والتقوى، ولقد جاء عند الإمام مسلم في صحيحه في وصف المهدي المنتظر الحديث وفيه ” ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله، وتخرج الأرض بركتها وتعود كما كانت، حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة ويستظلون بقحفها أي قشرها ويكون العنقود من العنب حمل بعير” ومن أسباب القلق التهاون بشأن الصلاة أو التقليل منها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول” وجعلت قرة عيني في الصلاة ” رواه أحمد والنسائي.
وقيل ” كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر إشتد عليه لجأ إلى الصلاة” رواه أحمد وأبو داود، ثم إن ترك الذكر والدعاء والاستغفار، محل للشقاء والهم والحزن، ولذا كان لزاما على من ينشد السعادة ألا يغفل هذا الأمر المهم، بل عليه أن يمسك بزمامه، ويعض عليه بالنواجذ، وليستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم” من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب ” رواه أبو داود والنسائي، ولقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال ” يا أبا أمامة، مالي أراك جالسا في المسجد في غير وقت الصلاة؟ ” قال هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال ” أفلا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك” قال بلى يا رسول الله، قال ” قل إذا أصبحت وإذا أمسيت الله إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال”
وقال أبو أمامة “ففعلت ذلك، فأذهب الله همي وقضى عني ديني” رواه أبو داود، وإن الحياة الطيبة والسعادة والهناء مطلب لكل إنسان، ولا لوم على أحد من الناس عندما يبحث عن سعادة نفسه، وقد رسم الله تعالى الطريق الذي يسعدنا في الدنيا والآخرة، وجعل من الأسباب الكثيرة التي تسعد بني آدم إذا أخذ بها أولها وأساسها الإيمان بالله، والعمل الصالح، فالإنسان بلا إيمان لا قيمة له، أما المؤمن بالله عز وجل، والذي يعمل الصالحات قد وعده ربه عز وجل بالحياة الطيبة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فالمؤمن الذي أمن بربه عز وجل يتلقى المحبة بالشكر والثناء على المنعم سبحانه وتعالى، فإذا أتته نعمة من عند خالقه عز وجل استعملها في طاعة الله عز وجل وتعبد الله سبحانه وتعالى بشكرها بقلبه وبلسانه وبجوارحه، فإذا أتاه الله عز وجل مالا أخرج زكاة مالة، ووصل به رحمه، أعطى لأمه وأبيه، وصل أرحامه، وتفقد الفقراء والمساكين، وساهم في الأوقاف الخيرية.
وكل هذا يجلب له السعادة والسكينة والطمأنينة، فيقول أحد الحكماء “كنت أظن أن السعادة بالأخذ، فتبين لي بعد البحث والتجربة أنها بالعطاء” فإذا شكر الله عز وجل وأعطى من مال الله جل وعلا، سعد في الدنيا قبل الآخرة، والمؤمن كذلك يتلقى المصائب بالصبر والتسليم والرضا لأنه يعلم أنما كان بعلم الله السابق الأزلي، وأن بكاءه على صار لا يغير من الواقع شيئا، فيسلم بقضاء الله وقدره، والمؤمن لا يخاف من المستقبل لأنه يعلم علم اليقين أنه لا يكون في هذا الكون إلا ما أراده رب الكون، ويعلم المؤمن علم اليقين أنما قدره ربه عليه خيرا له، والذي نفس محمد بيده ما قدر الله على عبده قدرا إلا كان خير له، ولو كرهته نفسه.


