التفكر في الخير وإعمال الخاطر فيه
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلموا يرحمكم الله أنه قد يعمل المؤمن خيرا يسيرا سهلا لا يظن أنه سيبلغ به المنازل العليا، ولكنه يبلغ به بفضل الله وكرمه، ففى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال” لقد رأيت رجلا يتقلب فى الجنة فى شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذى المسلمين” ولقد كان منادى الخير وهو ينادى كل ليلة فى رمضان من قبل المولى تبارك وتعالى فيقول يا باغى الخير أقبل، ويا باغى الشر أقصر، لهو واعظ متكرر، ومذكر دائم وداعم مستمر، يرشد المؤمنين أن يقبلوا على فعل الخير ما فيه ربحهم ويكفوا عن فعل الشر وما فيه خسارتهم، وكيف لا والمسلم مطالب أن يغتنم ويتزود ما دام على قيد الحياة، فليكن الخير همك الدائم، وشغلك الشغال بأن تنويه وتعزم على فعله، فإن يسره الله لك وأعانك على أدائه فقد تحقق أجر ما فيه رغبت وإليه سعيت، وإن لم تتمكن من فعله وحيل بين العمل والنية فلك أجر ما نويت، وقد قال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل لأبيه يوما أوصني يا أبتي.
فقال يا بني انو الخير فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير، وهذه وصية عظيمة وفاعلها ثوابه دائم مستمر لدوامها واستمرارها، فإذا أحسن العبد القصد ولم تتهيأ له أسباب العمل فإنه يؤجر على تلك النية وإن لم يعمل، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعلمها كتبها الله عز وجل عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هذا ما أخبرنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وإعلموا أن التفكر في الخير وإعمال الخاطر فيه دافع إلى إغتنام أعمال الخير والتزوج منها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال التفكر في الخير يدعوا إلى العمل به، والندم على الشر يدعوا تركه، فليكن فكرك مشغولا دائما بفعل الخير وأجر صاحبه، وآثاره الحميدة التى تعود إليك، وفي المقابل على المرء أن يتندم ويتأسف على ما وقع منه من خطيئة وما عمل من سوء، فكفى بذلك رادعا عن إرتكاب الآثام، قال ليس مؤمن ولا كافر عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا أراه الله تعالى إياه.
فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته، فيغفر الله من سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فيريه حسناته وسيئاته، فيرد حسناته ويعذبه بسيئاته، وأن صاحب الخير في هذه الدنيا وفي هذه المواسم المباركة خاصة، فإنه خير من تصاحبه وترافقه، فعن حاتم الأصم رحمه الله قال ورأيت لكل رجل صديقا يفشي إليه سرا ويشكوا إليه، فصادقت الخير، ليكون معي في الحساب ويجوز معي الصراط، فأكثر دوما من الخير إنه هو النور في القبر لمن مات يحصل، وكن عبد الله مفتاحا للخير مغلاقا للشر، فالناس صنفان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن من علامات رضا الله عن العبد أن يجعله مفتاحا للخير فإن رؤي ذكر الله برؤيته وهو يتقلب في الخير، يعمل الخير وينطق بخير، ويفكر في خير، ويضمر خيرا، فهو مفتاح الخير حسبما حضر، وسبب الخير لكل من صحبه، والآخر يتقلب في شر ويعمل شرا وينطق بشر، ويفكر في شر، ويضمر شرا فهو مفتاح الشر.
واعلم عبد الله أن إيمان العبد لا يكمل إلا بتمني الخير لغيره من المسلمين، وما أعظم أن يكون المؤمن دليلا على فعل الخير، ليحظى بذلك الجزاء الوافر، وأنفع ما يقدمه المرء للناس إرشادهم وتعليمهم وبذل النصح لهم، ودلالتهم على فعل الخيرات، وحثهم على إستثمار الأوقات، وتشجيعهم على إغتنام القربات، وسل الله تعالى الثبات على الدين وادعه أن يجعلك ممن يلزم طاعته وتقواه، وإستعذ بالله أن يردك على عقبيك فتترك الخير وتنقطع عنه، وتفعل الشر وتميل إليه نفسك، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال ولا تأمن لرجل أن يكون على خير فيرجع إلى شر فيموت بشر، ولا تيئس من رجل يكون على شر فيرجع إلى خير، فيموت بخير، ولهذا يجب أن نحاسب أنفسنا، يجب أن نحاسب أنفسنا على التفريط في جنب الله، وندعو ربنا أن يثبتنا على فعل الخير حتى الممات، وتأمل في قوله تعالى كما جاء فى سورة البقرة ” وما تفعلوا من خير يعلمه الله”
فهي تبعث في نفس العبد راحة وفي قلبه طمأنينة، ذلك أن المحسن إلى الخلق المخلص في ذلك لا ينتظر تقديرا ولا ثناء من الخلق، فإنه متى فعل الخير وأيقن بأن ربه يعلمه علما يثيب عليه هان عليه ما يجده من جحود نكران بعض الناس، للجميل الذى أسداه والمعروف الذى صنعه، فاعلم يا باغي الخير أن مفهوم الخير واسع وليس محصورا، فهو اسم شامل لكل ما ينتفع به المرء عاجلا أو آجلا، إنها أيام وليالى إعتاق الرقاب وقبول المتاب ومضاعفة الحسنات، ورفعة الدرجات، فهلموا وأروا الله من أنفسكم خيرا في مواسم الخيرات، ولا تفرطوا في أوقاتها، فالعاقل لا يزهد في إكتساب الأعمال الصالحات، ولا يسوف ولا يتأخر في إغتنام القربات بل يلزم اليقظة ويتدارك ما فات.


