مقال

البلطجة… حين يتحول الحق إلى غنيمة للقوي

بقلم / أيمن الشناوي
لم تعد البلطجة مجرد سلوك فردي أو جريمة عابرة، بل أصبحت ظاهرة تهدد أمن المجتمع واستقراره، وتضرب في الصميم مفهوم الدولة والقانون. فحين يستطيع صاحب النفوذ أو القوة أو مجموعة من الخارجين عن القانون الاستيلاء على أرض أو عقار أو حق ليس له، فإننا نكون أمام أزمة أخلاقية ومجتمعية قبل أن نكون أمام جريمة جنائية.


كم من مواطن ضاع حقه؟ وكم من أسرة فقدت منزلها أو أرضها أو مصدر رزقها بسبب فرض الأمر الواقع بالقوة؟ وكم من مظلوم قضى سنوات طويلة بين المحاكم وأروقة العدالة بينما كان المعتدي ينعم بما اغتصبه من حقوق الآخرين؟
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا انتشرت البلطجة إلى هذا الحد؟


السبب ليس واحدًا، بل مجموعة من العوامل؛ منها ضعف الوازع الأخلاقي لدى البعض، والطمع، والسعي إلى الكسب السريع، واستغلال ثغرات أو بطء الإجراءات في بعض الأحيان. كما أن هناك من يرى في البلطجة وسيلة لتحقيق مكاسب لا يستطيع الحصول عليها بالطرق المشروعة.


وهنا يظهر الوجه الآخر للبلطجة، وهو الأخطر. فالبلطجي في كثير من الأحيان ليس المستفيد الحقيقي، بل مجرد أداة في يد أصحاب المصالح والنفوس الضعيفة، الذين يحركون غيرهم لتحقيق أهدافهم بعيدًا عن المواجهة المباشرة. ولذلك فإن مواجهة البلطجة لا تكون فقط بمحاسبة المنفذ، بل أيضًا بكشف من يقف خلفه ويموله ويشجعه ويستفيد من جرائمه.


ولعل ما شهدته الساحة المصرية في الآونة الأخيرة من قضايا ووقائع متداولة إعلاميًا بشأن اتهامات باستعراض القوة وفرض النفوذ يؤكد أن خطر البلطجة لا يرتبط بشخص أو اسم بعينه، وإنما بفكرة خطيرة مفادها أن هناك من يعتقد أن النفوذ أو القوة يمكن أن يكونا بديلًا عن القانون. وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة للجميع: لا أحد فوق القانون، ولا يجوز أن يكون حق المواطن رهينة للترهيب أو فرض الأمر الواقع مهما كان حجم النفوذ أو المكانة.


ويبقى سؤال آخر يطرحه الشارع المصري: هل أدركت الدولة حجم المشكلة متأخرًا؟ أم أن حجم الظاهرة وتنوع أساليبها كان أكبر من المتوقع؟
الحقيقة أن الدولة المصرية تبذل جهودًا كبيرة في مواجهة هذه الظاهرة، لكن المواطن البسيط ما زال ينتظر المزيد من الحسم والسرعة في استرداد الحقوق وردع المعتدين. فكم من مواطن فقد أرضًا أو منزلًا أو مشروعًا بسبب سطوة الخارجين على القانون؟ وكم من أسرة دفعت ثمن غياب الردع في بعض الفترات؟


إن تفعيل قوانين مواجهة البلطجة والتعدي على العقارات والأراضي لم يعد رفاهية، بل ضرورة وطنية لحماية المجتمع. فلا يمكن بناء دولة قوية واقتصاد قوي في ظل خوف الناس على ممتلكاتهم وحقوقهم.
المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الجهل، بل تنهار عندما يفقد الناس الثقة في أن القانون قادر على حمايتهم. وعندما يصبح منطق القوة أعلى صوتًا من منطق العدالة، فإن الخاسر الحقيقي هو الوطن كله.


إن معركة مواجهة البلطجة ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية المجتمع بأسره؛ الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الدينية، والإعلام، وكل صاحب ضمير حي. فلا مكان في دولة القانون لمن يعتقد أن الحقوق تُنتزع بالقوة أو تُفرض بالترهيب.
سيبقى القانون هو السلاح الأقوى، وستبقى هيبة الدولة الحقيقية في قدرتها على حماية الضعيف قبل القوي، وصون الحقوق قبل المصالح، وتحقيق العدالة دون تمييز بين مواطن وآخر.
حفظ الله مصر، وحفظ حقوق أبنائها، وأبعد عنها أهل الشر والفساد وأصحاب النفوس الضعيفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى