سالي النجار تكتب خطه استراتيجيه

أخيرًا وصلت السنيورة تحفة سوداء لامعة بأحدث موديل تبرق تحت الشمس وتفوح منها رائحة الجلد الجديد التي تجعل الإنسان يصدق أن السعادة يمكن اختصارها في أربعة إطارات ومحرك وقفت أنا وممدوح نتأملها في صمت المنتصرين بعد رحلة طويلة من البحث بين المعارض وكان هو ينظر إليها بعين عاشق وجد ضالته بينما كنت أنظر إليه بعين ضابط مخابرات يراقب عنصرًا مشكوكًا في ولائه للوطن الزوجي ثم قلت له بلهجة حاسمة اسمع يا ممدوح العربية دي ليها شرط واحد وبس ممنوع منعًا باتًا أن تركبها أي أنثى على وجه الأرض غيري لا زميلة عمل ولا جارة ولا حتى موظفة المرور لو العربية راحت الحجز ابتلع ريقه وقال بسرعة طبعًا يا حبيبتي هو أنا اتجننت وكانت تلك الجملة آخر بيان رسمي قبل اندلاع الحرب الباردة.
وفي تلك الليلة وبينما كان ممدوح نائمًا نوم الأبرياء كنت أضع اللمسات الأخيرة على منظومة الدفاع الاستراتيجي للسيارة فزرعت كاميرا مراقبة مخفية وربطتها بهاتفي مع نظام إنذار مبكر لأي اختراق نسائي محتمل فالحذر واجب والتاريخ يعلمنا أن معظم الكوارث تبدأ بجملة بسيطة مثل أوصل الزميلة في طريقي.
وفي صباح اليوم التالي وبينما كنت أرتشف قهوتي بهدوء وصلني إشعار عاجل يفيد بوجود حركة مشبوهة ففتحت الكاميرا فورًا لأجد ممدوح يقود السيارة مطمئنًا ثم فجأة انفتح الباب وظهرت ريهام زميلة الحسابات والعدو التقليدي للأمن القومي الأسري وركبت بجواره بكل ثقة وهي تقول واو يا ممدوح العربية تحفة وفي تلك اللحظة شعرت أن ضغط دمي قرر مغادرة الحدود الطبيعية بلا رجعة أما ممدوح فقد بدا كمن شاهد ملاك الموت يطلب منه رخصة القيادة فقال مرتبكًا لا لا انزلي بسرعة فنظرت إليه بدهشة وقالت ليه فقال العربية لسه زيرو والدركسيون بيتكسف من الغرباء.
لكن الضرر كان قد وقع والخطر أصبح على بعد سنتيمترات من المقعد الأمامي فضغطت زر الطوارئ وفجأة دوى صوت إنذار رهيب في جراج الشركة وبدأت الكلاكسات تصرخ والأضواء تومض بينما انطلق من السماعات صوت جهوري مرعب يقول تحذير تحذير تم رصد عنصر نسائي غير مصرح له بالمرور يرجى إخلاء المركبة فورًا فقفزت ريهام من السيارة بسرعة جعلتها مرشحة لميدالية أولمبية في الوثب الطويل أما ممدوح فتجمد خلف المقود وكأن روحه قدمت استقالتها وبقي الجسد وحده.
وخلال دقائق تجمع الموظفون حول السيارة وتحول سي ممدوح من مدير محترم إلى قضية رأي عام ثم انطفأ الإنذار أخيرًا وعادت الحياة إلى طبيعتها أو هكذا ظن الجميع.
وفي المساء عاد ممدوح إلى البيت بخطوات حذرة كأنه يعبر حقل ألغام وجلس أمامي صامتًا فوضعت أمامه كوب عصير بارد وابتسامة هادئة لا تخدع طفلًا في الحضانة ثم سألني بصوت خافت هو نظام الأمان ده متوصل بإيه بالضبط فارتشفت رشفة هادئة وقلت متوصل بحاجة أقوى من الأقمار الصناعية يا ممدوح متوصل بقلبي ثم أضفت بابتسامة أوسع وبالمناسبة اللي حصل النهارده كان مجرد تدريب عملي وتجربة بسيطة للتأكد من كفاءة النظام.
ساد الصمت صمت رجل أدرك أن السيارة الجديدة ليست مجرد وسيلة مواصلات بل منطقة عسكرية مغلقة ومنذ ذلك اليوم أصبح ممدوح يضع حقيبته على المقعد المجاور قبل أن يدير المحرك ويغلق الأبواب فور ركوبه وينظر بريبة إلى أي امرأة تقترب من السيارة في حدود كيلومتر كامل حتى عامل محطة البنزين إذا اقترب أكثر من اللازم يلوح له ممدوح من بعيد ويقول لو سمحت عبّي التانك من مسافة آمنة فينظر إليه العامل متعجبًا بينما يتنهد ممدوح ويقول احتياطات ضرورية يا أستاذ فالأمن القومي في البيت أهم من الأمن القومي للدولة كلها.
الكاتبة والشاعرة سالي النجار



