الأمية الاستهلاكية خطر خفي يهدد صحة المستهلك

متابعة نيفين صلاح
تتمثل الأمية الاستهلاكية في ضعف قدرة الفرد على تقييم السلع والخدمات، وإدارة موارده المالية، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين الجودة الحقيقية والادعاءات المضللة. وهي لا ترتبط بالمستوى التعليمي وحده، فقد يكون الإنسان متعلما لكنه يفتقر إلى المهارات التي تساعده على اتخاذ قرار شرائي سليم. فالمشكلة ليست في معرفة القراءة، وإنما في فهم ما نقرأه عن المنتجات وتوظيفه لحماية صحتنا وأموالنا وحقوقنا.
وتؤثر الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي في سلوك المستهلك، إذ لم يعد التسويق يقتصر على عرض مزايا المنتجات، بل يسعى أحيانا إلى ربط شرائها بالسعادة والنجاح والمكانة الاجتماعية. وقد يندفع الفرد إلى تقليد الآخرين أو شراء سلعة لمجرد أن أحد المشاهير يروج لها، دون التفكير في حاجته إليها. ويزداد الأمر وضوحا مع العروض والتخفيضات التي قد تدفع المستهلك إلى إنفاق المال على منتجات لا يحتاج إليها، في حين أن سهولة الدفع الإلكتروني والشراء بالتقسيط قد تقلل الإحساس بحجم الإنفاق، وتؤدي إلى تراكم الديون وضعف الادخار إذا غاب التخطيط المالي.
غير أن خطورة الأمية الاستهلاكية لا تتوقف عند الخسائر المالية، بل تمتد إلى صحة الإنسان وسلامة أسرته. فتجاهل تاريخ الصلاحية أو مكونات المنتج أو تعليمات التخزين والاستخدام قد يؤدي إلى أضرار يمكن تجنبها بالقراءة والتحقق. وتعد العبوات البلاستيكية مثالا واضحا على أهمية الوعي، إذ تشير الأرقام من 1 إلى 7 داخل رمز إعادة التدوير إلى أنواع البلاستيك، ولا تمثل درجات مباشرة للأمان أو الخطورة. فالرقم 5، الذي يرمز إلى البولي بروبيلين المعروف اختصارا باسم PP، يستخدم في صناعة العديد من علب الطعام، لكن وجوده لا يعني أن كل عبوة مصنوعة منه صالحة للتسخين في الميكروويف؛ إذ يجب التأكد من تعليمات الشركة المصنعة ومدى ملاءمة العبوة لهذا الاستخدام. كما أن سلامة العبوات لا يمكن الحكم عليها من الرقم وحده، بل ترتبط بنوع المادة والغرض المخصص لها وطريقة استخدامها.
ولا يقتصر الأمر على البلاستيك، بل يشمل شراء منتجات مجهولة المصدر، واستخدام المنظفات دون قراءة التحذيرات، والانسياق وراء ادعاءات صحية غير موثوقة. ومن هنا تبرز أهمية قراءة الملصقات والتحقق من مصدر المنتج وفهم تعليمات الاستخدام، بعيدا عن الشائعات والمعلومات التي تنتشر دون سند علمي.
ومع انتشار التسوق الإلكتروني، ظهرت تحديات أخرى تتمثل في العروض المضللة والتقييمات غير الموثوقة واختلاف بعض المنتجات عن الصور والمواصفات المعلنة. وقد تدفع سهولة الشراء المستهلك إلى اتخاذ قرارات متسرعة دون مراجعة حاجته الفعلية أو التحقق من مصداقية البائع وشروط الاستبدال والاسترجاع. ولذلك أصبح التروي قبل الشراء ومقارنة الأسعار والجودة والتحقق من موثوقية المتاجر من أساسيات الاستهلاك الواعي.
وتنعكس هذه السلوكيات أيضا على الاقتصاد والبيئة، فشراء كميات تفوق الحاجة يؤدي إلى إهدار المال والطعام، كما أن الإفراط في اقتناء المنتجات قصيرة العمر يزيد النفايات ويستنزف الموارد الطبيعية. وهكذا تتحول القرارات الفردية غير المدروسة إلى مشكلة أوسع تتعلق بكفاءة استخدام الموارد وجودة الحياة.
وترتبط الأمية الاستهلاكية بعدة أسباب، من أبرزها ضعف التثقيف المالي والاستهلاكي، وتأثير ثقافة المظاهر والتقليد، وقلة الاهتمام بقراءة بيانات المنتجات، وصعوبة فهم بعض المصطلحات الفنية، وضعف المعرفة بحقوق المستهلك. كما أن غياب التخطيط للإنفاق وعدم الاعتياد على مقارنة البدائل والتحقق من المعلومات يجعل الفرد أكثر عرضة للاستغلال والشراء الاندفاعي.
ومواجهة هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة لا تقع على المستهلك وحده. فالأسرة والمدرسة مطالبتان بتعزيز ثقافة إدارة المال والتمييز بين الضروريات والكماليات، ووسائل الإعلام مطالبة بتقديم معلومات دقيقة وتصحيح المفاهيم الخاطئة، بينما يجب على الشركات الالتزام بالشفافية وتوضيح خصائص المنتجات والتحذيرات المرتبطة بها. ويظل دور الجهات الرقابية أساسيا في متابعة الأسواق ومكافحة الغش التجاري وضمان التزام المنتجات بالمواصفات وحماية حقوق المستهلك.
أما على المستوى الفردي، فيبدأ الحل بوضع ميزانية واضحة وتحديد أولويات الإنفاق ومقارنة الأسعار والجودة قبل الشراء. ويمكن تأجيل شراء السلع غير الضرورية لمدة 48 ساعة للتأكد من الحاجة الفعلية إليها، مع قراءة الملصقات وتواريخ الصلاحية وتعليمات الاستخدام، والتحقق من مصادر المعلومات، والاحتفاظ بالفواتير والضمانات، وتجنب الالتزامات المالية التي تتجاوز القدرة على السداد. وهي خطوات بسيطة، لكنها تساعد على تقليل الهدر وحماية الصحة والمال.
إن الأمية الاستهلاكية ليست مجرد نقص في المعلومات، بل ضعف في القدرة على استخدامها عند اتخاذ القرار. فالمستهلك الواعي لا يبحث عن السعر الأرخص دائما، وإنما يوازن بين السعر والجودة والسلامة والحاجة الفعلية، ويعرف حقوقه وحدود إمكاناته. كما أن الوعي لا يعني الخوف من المنتجات أو الامتناع عن الشراء، بل يعني الاختيار بناء على المعرفة، بعيدا عن الاندفاع والتضليل.
وفي النهاية، فإن نشر الثقافة الاستهلاكية ضرورة لحماية الفرد والأسرة والمجتمع، وبناء سوق أكثر شفافية ومسؤولية. فقبل كل عملية شراء، ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل نحتاج إلى هذا المنتج؟ وهل نعرف مصدره ومواصفاته وطريقة استخدامه؟ وهل المعلومات المتاحة عنه موثوقة؟ إن الإجابة الواعية عن هذه الأسئلة هي الخطوة الأولى نحو استهلاك مسؤول يحمي الصحة والمال والحقوق، ويجعل المعرفة خط الدفاع الأول عن المستهلك.



