إبراهيم الدسوقي.. الفقيه الذي أصبح القطب الرابع

بقلم / خالد ماتع
في مدينة دسوق الصغيرة على فرع رشيد، ولد رجل لم يغادرها إلا مرات معدودة، لكن صيته ملأ المشرق والمغرب، وصار رابع الأقطاب الأربعة الذين قام عليهم التصوف الإسلامي. إنه برهان الملة والدين، إبراهيم القرشي الدسوقي.
نسب شريف من الجهتين
لا يختلف المؤرخون على نسبه. هو إبراهيم بن عبد العزيز أبو المجد بن قريش بن محمد أبو النجا… إلى موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أما أمه فهي السيدة فاطمة بنت أبي الفتح الواسطي، خليفة السيد أحمد الرفاعي في مصر. والواسطي ليس رجلاً عادياً، فهو من وضع اللبنة الأولى للطرق الصوفية في مصر، وكان شيخاً لأبي الحسن الشاذلي نفسه. فالدسوقي حسيني الأب، حسني الأم، ورضيع في بيتين من بيوت الولاية.
طفولته ولد على أرجح الروايات ليلة 30 شعبان سنة 653 هـ / 1255م، في عهد المعز أيبك أول سلاطين المماليك. وتحكي كتب المناقب أنه وُلد في ليلة الشك في هلال رمضان، فلم يرضع من الفجر حتى المغرب، فاعتبرها الصوفية أول كرامة له، وقال هو عن نفسه لاحقاً: “منّ الله عليّ من ظهر أبي ولطف بي في الأحشاء، فحين وضعتني أمي كنت مبشراً في ذلك العام بالصيام”.
نشأ في بيت علم، فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنوات، ودرس الفقه الشافعي والتوحيد والتفسير والبلاغة حتى صار فقيهاً يُشار إليه، ثم سلك طريق التصوف وتعمق فيه حتى صار إماماً في العلمين.
ولهذا لُقّب بـ أبي العينين و ذي العينين ، فالعين الأولى تبصر الشريعة والفقه والظاهر، والعين الثانية تبصر الحقيقة والتصوف والباطن. ومن لا يجمع العينين، عند الصوفية، فهو أعور.
الطريقة.. ليست أذكاراً فقط
طريقته تُسمى الدسوقية نسبة إلى بلده، والبرهانية نسبة إلى لقبه برهان الدين، والبرهامية والإبراهيمية، وكلها اسم واحد.
لخصها الإمام محمد بن علي السنوسي، مؤسس الطريقة السنوسية، في جملة بليغة قال فيها: “طريق السادة البرهانية مبني على الذكر الجهري، ولزوم الجد في الطاعات، وارتكاب خطر أهوال المجاهدات، وذبح النفس بسكين المخالفات، وحبسها في سجن الرياضة حتى يفتح الله عليها بالسراج في رياض المعرفة”.
أما هو نفسه، فيصفها بوصف مرعب جميل فيقول: “آه، آه، ما أحلى هذه الطريقة ما أسناها وما أمرها، ما أصعب مواردها، ما أعجب واردها، ما أعمق بحرها، ما أكثر حيّاتها وعقاربها، فيا لله يا أولادي لا تتفرقوا واجتمعوا يحميكم الله من الآفات”.
وكان يختصر منهجه كله في كلمتين: “تعرف ربك وتعبده، فمن قبل ذلك عنده فقد أدرك الحقيقة والشريعة”. وكان يشترط على المريد شرطاً قاسياً: “رأس مال المريد المحبة والتسليم، وإلقاء عصا المعاندة والمخالفة، والسكون تحت مراد شيخه وأمره”. لذلك يرى بعض الباحثين أن في فكره أثراً شيعياً لفكرة الإمامة والطاعة المطلقة للشيخ، وإن كان هو بريء من التشيع عقيدة.
ومن شأن أتباعه لبس العمامة الخضراء، والإكثار من قول “يا دايم” بنداء التعظيم.
الفقيه العامل والمجاهد
لم يكن الدسوقي درويشاً منعزلاً. كان يعمل بيده ليأكل من كسبه، فاشتغل بصناعة الفخار والحصير والزراعة. وكان مجاهداً، شارك مع جيش المسلمين في فتح عكا وتحريرها من الصليبيين.
ماذا كتب؟ ولماذا الجدل حوله؟
انشغاله بتربية المريدين جعله قليل التأليف، وضاع معظم ما كتب. ما وصلنا منه هو كتاب “الحقائق” في التصوف والأذكار، وبعض الرسائل في التوحيد، وديوان شعر منسوب إليه.
والديوان هو سبب الجدل الأكبر. فالطريقة البرهانية الحالية في السودان تطبع ديواناً باسم “ابتسام المدامع” وتنسبه له، وفيه أبيات مثل:
“وكل نعيم إنني منعم به هو لي ملك ومن ثم راضع… وأفني إذا شئت الأنام بلمعة وأحيي بلفظي ما حوته البلائع”
وهذه الأبيات هي التي جعلت الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية يصدرون بيانات نقد للطريقة، معتبرين أن هذا الكلام لا يجوز إلا لله، وأنه غلو مرفوض، وأن الإمام الدسوقي نفسه بريء منه، وأن الأتباع هم من بالغوا لرفع مقام شيخهم.
سجدة الرحيل
لما شعر بدنو أجله، أرسل نقيبه إلى أخيه شرف الدين موسى الذي كان يدرس الفقه في جامع الفيلة بالقاهرة، وقال له: “طهر باطنك قبل ظاهرك”. ففهم الأخ الرسالة، وطوى كتابه وسافر إلى دسوق. وتوفي إبراهيم ساجداً سنة 696 هـ / 1296م، وعمره 43 عاماً فقط. لم يعش طويلاً، لكنه ترك أثراً عميقاً ، ودفن في نفس البيت الذي وُلد فيه، فبنى أهل دسوق على قبره زاوية صغيرة، ثم كبرت الزاوية فصارت مسجداً، ثم صار المسجد واحداً من أكبر مساجد مصر بمساحة تتجاوز سبعة آلاف متر.
إرث لا يموت
إبراهيم الدسوقي لم يكن مجرد صاحب كرامات، بل كان محاولة مصرية أصيلة للجمع بين فقه الشافعي وذوق الصوفي، وبين عمل اليد وصفاء القلب. عاش قصيراً، لكن طريقته انتشرت في مصر والسودان والحجاز وأوروبا، وما زالت حتى اليوم واحدة من أكثر الطرق الصوفية اتباعاً في العالم.
من أحبه رآه ولياً عارفاً جمع الشريعة والحقيقة، ومن انتقده رأى أن أتباعه غالوا فيه. وبين الحبين والنقد، يبقى الدسوقي وجهاً من وجوه الإسلام المصري المتسامح الذي أراد للدين أن يكون ذكراً في القلب، وعملاً في اليد.



