أبو الحسن الشاذلي.. الذي لم تسعه المدن

بقلم/ خالد ماتع
إذا كان السيد البدوي هو قلب التصوف الشعبي، فأبو الحسن الشاذلي هو عقله الحركي. رجل لم يؤلف كتابا واحدا في الفلسفة، ومع ذلك صارت طريقته أكثر الطرق انتشارا في العالم الإسلامي من المغرب إلى إندونيسيا.
ولد الشاذلي في قرية غمارة بالمغرب سنة 1196م، في نفس جيل البدوي تقريبا، لكنه اختار طريقا معاكسا تماما.
أولا: الفارق بين سطوح طنطا وصحراء حميثرة
البدوي اعتزل على السطوح، صامتا، عازفا عن الناس، فصنعه مريدوه. أما الشاذلي فكان رجلا يمشي في الأسواق، يتزوج، يلبس أفخر الثياب، ويقول جملته الشهيرة: “إذا رأيت الفقير يلبس المرقع فاعلم أن به خللا باطنا”.
كان يرى أن الزهد ليس في الثوب الممزق، بل في القلب.
ثانيا: لماذا لم يكن من الأقطاب الأربعة في مصر؟
ليس لأنه أقل مقاما، بل لأنه أكبر من التصنيف المحلي. الأقطاب الأربعة (الجيلاني والرفاعي والبدوي والدسوقي) هي خريطة للولي المصري الذي يمكن زيارته داخل الدلتا. أما الشاذلي فاختار أن يموت في الصحراء، في طريقه للحج في مكان يسمى حميثرة، وقال لتلاميذه: “في حميثرة سوف ترون الفتح”.
مقامه هناك ليس ضريحا شعبيا عليه حلاوة وطبل، بل محطة روحية في قلب الصحراء، لا يصلها إلا من يقصدها.
ثالثا: سر الخلود.. الحزب لا المولد
البدوي خلده المولد، والشاذلي خلده “الحزب”. أحزاب الشاذلي (الحزب الكبير والصغير وحزب البر وحزب البحر) هي أدعية صوفية يقرأها اليوم الملايين كل صباح من القاهرة إلى جاكرتا. لم يترك الشاذلي طريقة تعتمد على الرقص والطبول، بل ترك مدرسة تعتمد على الذكر الصامت والعمل.
ومن تلاميذه ابو العباس المرسي و ابن عطاء الله السكندري وهو من حول أقواله الشاذلي إلى كتاب “الحكم العطائية” الذي يعتبر دستور التصوف السني كله.
الخلاصة:
من يذهب لطنطا يرى كيف يحب المصريون أولياءهم. ومن يذهب لحميثرة يرى كيف يحب الأولياء ربهم. الأول مولد، والثاني عزلة.



