بقلم / راندا أبو النجا
في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تُقاس بعدد المشاهدات لا بقيمة الرسالة، لم يعد السؤال ماذا نقدم للناس
بل أصبح كيف نصنع ضجة أكبر
ومع كل يوم يمر، تتراجع المسافات بين الحرية والإنفلات، بين التعبير والإساءة، بين صناعة المحتوى وصناعة الفوضى.
أصبح البعض مستعدًا للتخلي عن الذوق والأخلاق وحتى إحترام العقول من أجل لحظات قصيرة من الشهرة الزائفة، وكأن الترند تحول إلى معركة تُسحق فيها القيم تحت أقدام السعي وراء التفاعل.
والأخطر من ذلك، أن هذا المشهد لم يعد مجرد حالات فردية، بل أصبح ظاهرة تؤثر في وعي جيل كامل يتلقى رسائله اليومية من شاشة هاتف، لا من كتاب أو مدرسة أو أسرة.
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل بين البشر، بل تحولت إلى عالم كامل تُصنع فيه الشهرة في دقائق، وتُهدم فيه القيم أحيانًا في لحظة بحثًا عن الترند
أصبح السباق اليوم ليس نحو الفكر أو الثقافة أو الرسالة الهادفة، بل نحو عدد المشاهدات والتفاعلات، حتى وإن كان الثمن هو الذوق العام والأخلاق والوعي المجتمعي.
في الماضي، كانت الشهرة ترتبط بالموهبة أو العلم أو الإنجاز الحقي، أما اليوم فقد أصبح البعض يحقق الانتشار من خلال الصدمة وإثارة الجدل وتجاوز الحدود.
وأصبح المشهد أكثر خطورة حين تحولت بعض المنصات إلى ساحات مفتوحة لكل من يبحث عن لفت الانتباه بأي وسيلة، حتى لو كانت على حساب القيم الإنسانية أو إحترام العقول
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، فوسائل التواصل سلاح يمكن أن يُستخدم للبناء كما يمكن أن يُستخدم للهدم لكن الخطر يظهر عندما يصبح “الترند” معيار النجاح الوحيد
فهناك من يعتقد أن الشهرة السريعة تبرر أي تصرف، وأن كثرة المتابعين تعني بالضرورة التأثير الإيجابي، بينما الواقع يؤكد أن التأثير قد يكون سلبيًا ومدمرًا خاصة على عقول الشباب والأطفال
والمؤسف أن بعض المحتويات الهابطة أصبحت تُقدَّم على أنها حرية شخصية أو انفتاح فكري، بينما الحرية الحقيقية لا تعني أبدًا إسقاط الأخلاق أو تزييف الوعي
فالحرية التي لا يضبطها ضمير تتحول مع الوقت إلى فوضى، والمجتمع الذي يفقد بوصلته الأخلاقية يصبح أكثر هشاشة أمام أي انحدار فكري أو سلوكي
إن أخطر ما في السوشيال ميديا اليوم أنها لا تمنح دائمًا المساحة الأكبر للأفضل، بل أحيانًا للأكثر إثارة للجدل.
ولهذا أصبح أصحاب الفكر الحقي والرسائل الهادفة يواجهون صعوبة في الوصول وسط ضجيج المحتوى السريع والصاخب الذي يعتمد على الإثارة أكثر من المضمون.
ورغم ذلك، تبقى القيم الحقيقية أقوى من أي موجة مؤقتة
فالترند يلمع سريعًا ثم يختفي، أما الكلمة الصادقة والفكر الواعي والأخلاق الراقية فتظل باقية في ذاكرة الناس مهما تغير الزمن
إن معركة اليوم ليست بين القديم والجديد، ولا بين الحرية والتقييد، بل بين الوعي والانسياق، بين من يستخدم الكلمة لبناء الإنسان ومن يستخدمها لهدمه.
ولهذا أصبح من الضروري أن يدرك كل صاحب قلم أو منصة أو تأثير أن ما يقدمه لا يمر مرورًا عابرًا، بل يترك أثرًا في عقول أجيال كاملة.
وفي النهاية
سيظل السؤال الأصعب معلقًا أمام الجميع:
هل أصبحنا نعيش عصرًا يُكافَأ فيه من يثير الجدل أكثر ممن يحمل الفكر والوعي؟
فالترند قد يمنح صاحبه دقائق من الضوء، لكنه لا يصنع قيمة حقيقية ولا يترك أثرًا محترمًا في ذاكرة المجتمعات
أما الأخلاق، فرغم محاولات تهميشها، ستظل هي المعيار الوحيد الذي يكشف معادن البشر مهما تغيّرت الأزمنة وتبدلت الوجوه.
لأن المجتمعات لا تنهار فجأة
بل تبدأ في السقوط يوم تتحول القيم إلى مادة للسخرية، ويصبح الانحدار وسيلة سهلة للوصول

