”
علاء حمدي
في لحظة ثقافية نادرة، بدت أقرب إلى جلسة مكاشفة ممتدة بين الذاكرة والإبداع، شهد المعهد العالي للنقد الفني لقاءً استثنائيًا داخل مكتبة المعهد، التي لم تعد مجرد مساحة للقراءة الصامتة، بل تحوّلت إلى منبر حيّ للحوار، ومنصة نابضة بأسئلة الفكر وتقاطعاته.
اللقاء جاء في سياق رؤية واعية يسعى من خلالها المعهد إلى إعادة الاعتبار لدور الفضاءات الثقافية داخل المؤسسات الأكاديمية، ليس فقط كمخازن للمعرفة، بل كمحركات لها. ومن هنا، بدا تدشين مكتبة المعهد كمركز للندوات والحلقات النقدية خطوة تحمل دلالة أعمق من مجرد فعالية عابرة؛ إنها إعلان عن ميلاد حالة ثقافية مستمرة.
وكان ضيف هذا اللقاء قامة بحجم الأستاذ محمد سلماوي، الذي حضر لا بوصفه كاتبًا فقط، بل شاهدًا على تحولات كبرى في الثقافة المصرية والعربية. حضورٌ جمع بين رصانة المفكر ودفء الحكّاء، ففتح أبواب تجربته دون مواربة، وترك للحضور فرصة نادرة للإنصات إلى ما وراء النصوص.
امتد الحوار ليغوص في واحدة من أكثر العلاقات ثراءً في تاريخ الأدب العربي، علاقته بالأديب العالمي نجيب محفوظ. لم يكن الحديث تقليديًا أو استرجاعيًا بقدر ما كان كشفًا لكواليس إنسانية وثقافية، أبرزها لحظة إلقاء سلماوي كلمة نجيب محفوظ في حفل تسلّم جائزة نوبل، تلك اللحظة التي لم تكن مجرد مهمة رسمية، بل مسؤولية ثقيلة محمّلة برمزيتها التاريخية.
ومن الأدب إلى الموسيقى، أخذنا الحديث إلى مساحة أخرى من الذاكرة، حين استعاد سلماوي تفاصيل رحلته مع كوكب الشرق أم كلثوم إلى فرنسا عام 1967. لم تكن مجرد رحلة فنية، بل شهادة حية على زمن كان فيه الفن جزءًا من صورة الوطن في الخارج، وصوتًا موازياً للسياسة والتاريخ.
ولأن التجربة الحقيقية لا تنفصل عن مضمارها، تطرّق الحديث إلى المراحل السياسية التي مرت بها مصر بعد الثورة، حيث قدّم سلماوي قراءة مكثفة، تجمع بين الرصد والتحليل، دون ادّعاء امتلاك الحقيقة، بل بوعي مثقف يعرف أن التاريخ يُكتب من زوايا متعددة.
ولم يغب الحاضر عن النقاش، إذ طرح رؤيته لمستقبل المجتمعات العربية في ظل ما تواجهه من تحديات، مؤكدًا أن الثقافة ستظل خط الدفاع الأعمق، وأن الرهان الحقيقي يبقى على الوعي.
وفي مساق استعراض تجربته، توقّف عند عدد من أعماله التي شكّلت علامات في مسيرته، مثل “أجنحة الفراشة”، و“العصفور الأخضر”، و“رقصة سالومي الأخيرة”، وهي أعمال تعكس تعددية صوته الإبداعي، وقدرته على التنقل بين الرواية والمسرح والفكر دون أن يفقد بصمته الخاصة.
اللقاء لم يكن فقط ما قُدِّم من أفكار، بل ذلك التفاعل الحيوي الذي شهده النقاش، خاصة من جانب الباحثين وطلاب الدراسات العليا، حيث تحوّل الحوار إلى مساحة نقدية حقيقية، تجاوزت المجاملة إلى طرح أسئلة جادة حول التجربة والسيرة والإبداع.
وفي مفاجأة محببة، كشف سلماوي عن روايته الجديدة التي تستعد للصدور قريبًا، واعدًا بأن يكون المعهد أول محطة لمناقشتها، في إشارة تعكس تقديره للدور العلمي والثقافي الذي يؤديه المعهد.
كما حرص الضيف على الإشادة بعدد من الخطط البحثية المقدمة، معتبرًا أنها تعكس جيلًا جديدًا يمتلك أدواته، ويطرح أسئلته بثقة، وهو ما أضفى على اللقاء بُعدًا تحفيزيًا واضحًا.
أُقيم اللقاء تحت رعاية الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن، رئيس أكاديمية الفنون، وباستضافة الأستاذ الدكتور وليد شوشة، عميد المعهد العالي للنقد الفني، الذي بدا واضحًا حرصه على أن يكون هذا اللقاء جزءًا من مشروع أوسع يهدف إلى ربط البحث الأكاديمي بالحياة الثقافية الفاعلة.
وفي مختتم الفعالية، لم يكن الشكر مجرد إجراء بروتوكولي، بل تعبيرًا صادقًا عن تقدير حالة التفاعل التي صنعها الحضور، من أساتذة وباحثين وطلاب، إلى جانب مشاركة لافتة من الإعلاميين والصحفيين. كما خُصّ بالشكر الأستاذ الدكتور حمدي الجابري على حضوره وإسهامه في إثراء النقاش.
لم يكن اللقاء مجرد ندوة عابرة، بل لحظة تأسيسية تؤكد أن الثقافة حين تجد من يحتضنها بوعي، قادرة على أن تصنع حوارًا حيًا… يمتد أثره إلى ما هو أبعد من جدران القاعات.


