عندما يتحول الانضباط إلى مصدر للقلق

بقلم: ناصر سيد
في معركة الدولة السنوية لضمان نزاهة امتحانات الثانوية العامة، لا يختلف أحد على أن الحزم ضرورة، وأن مكافحة الغش مسؤولية وطنية لا تقبل التفريط اوالتهاون، لكن يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن يتحول السعي إلى الانضباط، في بعض المواقف، إلى عامل يزيد من قلق الطالب بدلًا من أن يوفر له بيئة آمنة وعادلة لأداء الامتحان؟
ولسلامة سير العملية الأمتحانية وتحقيق السيطرة والانضباط داخل اللجان كثفت وزارة التربية والتعليم هذا العام أعمال المتابعة الميدانية، من خلال لجان انتشرت في مختلف المحافظات لرصد سير الامتحانات وضمان الالتزام الكامل بالتعليمات وهي خطوة تحظى بتأييد واسع، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لحماية مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.
غير أن نجاح المنظومة الرقابية لا يُقاس فقط بعدد المخالفات التي يتم ضبطها، وإنما أيضًا بقدرتها على تحقيق التوازن بين تطبيق التعليمات والحفاظ على الاستقرار النفسي للطلاب، فالطالب الذي يجلس داخل لجنة الامتحان يواجه بالفعل واحدة من أكثر اللحظات توترًا في حياته الدراسية، وأي موقف غير متوقع قد يؤثر في تركيزه وأدائه.
وخلال متابعة امتحانات مادة اللغة الإنجليزية اليوم ورصد احداثها فى لجان واحدة من محافظات الصعيد، تداول عدد من الطلاب وأولياء الأمور روايات عن مواقف اعتبروها نموذجًا لتشدد لجان المتابعه الوزارية في تطبيق الإجراءات بشكل لا يقبلة منطق والا عقل . ووفقًا لما أفاد به أصحاب هذه الشكاوى، فإن بعض الحالات التي لا تحمل، من وجهة نظرهم، أي شبهة غش، جرى التعامل معها باعتبارها مخالفات تستوجب تحرير محاضر.
ومن بين تلك الوقائع، ما رُوي عن طالب كان يحمل قبعة عادية لا تحتوي على أي وسيلة يمكن استخدامها في الغش، واصطحبها فقط لارتدائها بعد انتهاء الامتحان اتقاءً لحرارة الشمس الحارقة أثناء عودته إلى منزله. إلا أنه فوجئ عند دخولة من بوابة المدرسة بأن لجنة متابعة الوزارة تقوم بمصادرتها ولم تكتفي بذلك بل قامت بتحرير محضر للطالب
وفي واقعة أخرى، كان أحد الطلاب يحمل قميصًا جديدًا داخل كيس، بعد أن اكتشف أن مقاسه غير مناسب، وكان يعتزم استبداله عقب انتهاء الامتحان. وقبل دخوله المدرسة، سلّم الكيس طواعية إلى أفراد الأمن التزامًا بالتعليمات، غير أن لجنة المتابعة قامت بمصادرته وحررت محضرًا، رغم أنه لم يحاول إدخاله إلى لجنة الامتحان.
كما أشار عدد من الطلاب إلى حالة طالب كانت والدته تتلقى العلاج داخل أحد المستشفيات، فاصطحب هاتفه المحمول حتى يتمكن من الاطمئنان عليها بعد انتهاء الامتحان. ووفقًا للرواية المتداولة، سلّم الهاتف لأفراد الأمن على البوابة قبل الدخول إلى اللجنة امتثالًا للتعليمات، إلا أنه فوجئ بتحرير محضر ومصادرة الهاتف، رغم توضيحه للظروف الإنسانية التي دفعته إلى حمله
ورغم أن مثل هذه الوقائع قد تبدو للبعض حالات فردية، فإنها تطرح تساؤلًا مشروعًا حول الكيفية التي يمكن بها الجمع بين الصرامة المطلوبة والمرونة التي تفرضها بعض الظروف الإنسانية.
فالهدف من الرقابة ليس فقط منع المخالفات، بل أيضًا توفير مناخ يشعر فيه الطالب بالأمان والعدالة، بعيدًا عن الإحساس بأن أي تصرف غير مقصود قد يضعه موضع شبهة.
وفي المقابل، تؤكد وزارة التربية والتعليم أن لجان المتابعة تؤدي دورًا أساسيًا في حماية نزاهة الامتحانات، ومنع أي تجاوزات قد تمس مبدأ تكافؤ الفرص، وأن تطبيق التعليمات يتم في إطار الحرص على سلامة العملية الامتحانية وضمان العدالة بين جميع الطلاب.
ومن هنا، فإن القضية ليست خلافًا بين الحزم والمرونة، وإنما بحث عن نقطة التوازن بينهما. فالقانون يكتسب قوته عندما يُطبق بعدالة وحكمة، كما أن الرقابة تحقق رسالتها كاملة عندما تحمي نزاهة الامتحان دون أن تتحول، في الحالات التي تستدعي التقدير، إلى مصدر إضافي للقلق.
إن الطالب يحتاج إلى أن يشعر بأن اللجنة مكان يمنحه الفرصة لإثبات قدراته، لا ساحة يخشى فيها الوقوع في دائرة الشبهات بسبب مقتنى شخصي سلّمه قبل الدخول، أو ظرف إنساني لم يكن يملك تجاهه بديلًا.وفي النهاية، يبقى الهدف الذي تتفق عليه الدولة وأولياء الأمور والطلاب هو إجراء امتحانات تتسم بالنزاهة والانضباط والعدالة، وفي الوقت نفسه تحافظ على الاستقرار النفسي للطلاب، حتى يتمكن كل منهم من التعبير عن مستواه الحقيقي في أجواء يسودها الاطمئنان والثقة، وهي المعادلة التي تمثل جوهر أي منظومة تعليمية ناجحة.


