مقال

عندما تتحول المناصب إلى استغلال للسلطة: أزمة اختيار القيادات التربوية


بقلم: جمال القاضي

يظل العاملون في مؤسسات وزارة التربية والتعليم تحت مجهر النقد والمتابعة الدائمة؛ فالرأي العام ينظر إلى المعلم والمسؤول التعليمي بوصفهما قدوة أُحسن اختيارها بعناية، لتتناسب أخلاقهم وسلوكياتهم مع طبيعة رسالتهم السامية. إلا أن الواقع يؤكد أن المدرسة والإدارة التعليمية ما هي إلا مجتمع مصغر، يتنوع فيه البشر بين الصالح والطالح.

بين النماذج المضيئة والقلة المسيئة

الأصل والعرف السائد هو أن المعلم أب وسند، وأن المعلمة أم بديلة، وأغلب العاملين في الحقل التعليمي يتمتعون بأخلاق رفيعة ورسالة نبيلة. لكن توجد قلة بحاجة ماسة إلى إعادة تأهيل تربوي؛ وعلى سبيل المثال لهذه النماذج المسيئة: كيف يُعقل أن تتصل إحدى المعلمات بوالدة أحد الأطفال في مدرسة رسمية للغات، لتصف طفلها بألفاظ غير لائقة، ناعتة إياه بـ”الهبل” والعشوائية في التصرفات؟ مهما كانت عيوب هذا الطفل أو صعوبات تعلمه، لا يحق لمن يفترض بها أن تكون مربية فاضلة أن تتلفظ بمثل هذه العبارات، وهنا نتساءل: أين دورها التربوي في احتواء الطفل وإعادة الثقة إلى نفسه؟

بين التفاني والإخلاص.. وشطط السلطة

يزخر القطاع التعليمي بنماذج قيادية يُحتذى بها في الإخلاص؛ كأولئك المديرين الذين ينفقون من أموالهم الخاصة لتجهيز مدارسهم دون انتظار للموافقات المالية، أو مديرة إحدى مدارس التعليم الفني التي تضرب أروع الأمثلة في القيادة؛ فتراها معلمة لسد العجز، وأماً للطالبات، بل وتشارك في نظافة المدرسة قبل بدء اليوم الدراسي.
وعلى النقيض تماماً، تظهر نماذج تسيء للمنظومة بأكملها؛ كواقعة تعدي إحدى المديرات بإحدى الإدارات التعليمية بالضرب والإهانة على أخصائية اجتماعية اعترضت على صرف مبالغ مالية في غير قنواتها الشرعية، مدعية انتماءها لـجهة سيادية، ومتسائلة باستعلاء: ألا تعرفين من أنا؟!. ولم تكتفِ بالإهانة، بل استغلت نفوذها بالتنسيق مع مدير الإدارة لنقل الأخصائية بعد تلفيق عدة اتهامات كاذبة لها.

متى تنتهي أزمة التعامل في الإدارات التعليمية؟

تستمر التجاوزات على مستوى بعض مديري الإدارات؛ حيث يمارس البعض أسلوباً يتنافى تماماً مع مقومات القدوة الحسنة، متخذين من الكرسي والمنصب وسيلة للتعالي والتكبر. بل إن بعضهم يصطحب فرقاً إعلامية أثناء جولاته الميدانية ليصور نفسه وهو يوبخ مديري المدارس والمعلمين أمام الجميع على تقصير غير مقصود، بحثاً عن شو إعلامي زائف على حساب كرامة المعلم.

تساؤلات مشروعة للتقويم

تستدعي هذه المشاهد السلبية طرح أسئلة جوهرية:
ما المعايير الفعلية التي يُختار على أساسها هؤلاء المسؤولون
لماذا تغيب المعايير الثابتة والشفافة لاختيار القيادات بعيداً عن المحسوبية والعلاقات؟
لماذا لا نعود لإعطاء الخبرة والسن والكفاءة التربوية الوزن الأكبر في المفاضلة؟
لماذا يتعمد بعض القادة الإساءة للمعلمين والمديرين، رغم قدرتهم على التعامل برقيّ وأسلوب أفضل؟
لماذا نرى هذه الظواهر في قطاع التربية والتعليم بشكل أوضح من غيره من القطاعات؟
لماذا نبقي على من يسيئون لوزارة كاملة، ولا نسعى لاستبدالهم بمن هم أفضل وأحق؟

واخيرا:
إن هذا القطاع يحتاج إلى مراجعة دقيقة لأسس اختيار القيادات، حتى نعيد للتعليم ومن فيه هيبته التي كانت حاضرة من قبل، والتي كان ينظر إليها المجتمع بنظرة إجلال تنعكس من أخلاق العاملين في هذا الحقل التربوي الشريف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى