أخبار منوعة

شتاء “الأطلسي” البارد: هل تضع الرسوم الجمركية المسمار الأخير في نعش التجارة الحرة

دكتور احمد ابراهيم حنفي
بينما كانت العواصم الأوروبية تأمل في الوصول إلى “هبوط ناعم” لاتفاقياتها التجارية مع واشنطن، يبدو أن المفاوضين الأوروبيين قد اصطدموا بحائط مسدود، ليعودوا إلى بروكسل بجيوب فارغة ومخاوف ممتلئة. إن فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات ليس مجرد عثرة دبلوماسية عابرة، بل هو نذير بزلزال اقتصادي قد يعيد رسم خارطة العلاقات العابرة للمحيط الأطلسي تحت وقع تهديدات “الحرب الجمركية”.


العجز الدبلوماسي: حين تفشل بروكسل في قراءة واشنطن
لطالما اعتمد الاتحاد الأوروبي على استراتيجية “النفس الطويل” والقواعد الفنية الصارمة، لكن هذه الأدوات تبدو فاقدة للتأثير في مواجهة إدارة أمريكية تتبنى سياسة “الواقعية القاسية”. فشل المفاوضين في حسم الملفات العالقة — من الصلب والألومنيوم إلى معايير السيارات الكهربائية — يكشف عن فجوة عميقة في الأولويات:
أوروبا: تتمسك بالتعددية والقواعد الدولية لمنظمة التجارة العالمية.


الولايات المتحدة: تتجه نحو “الحمائية الجديدة” وتأمين سلاسل التوريد المحلية كأولوية قصوى للأمن القومي.
هذا الانفصام جعل من الوصول إلى “حل وسط” مهمة شبه مستحيلة، حيث ترى واشنطن في التنازلات ضعفاً، وتراها بروكسل تفريطاً في سيادتها التنظيمية.


شبح “البيت الأبيض” والغضب القادم
التسريبات القادمة من أروقة صنع القرار في واشنطن تشير إلى حالة من نفاد الصبر. إن أي رد فعل “غاضب” من البيت الأبيض لن يقتصر على التغريدات أو التصريحات الصحفية، بل سيترجم فوراً إلى رسوم جمركية عقابية.


“التجارة لم تعد تدور حول الربح والخسارة فقط، بل تحولت إلى سلاح جيوسياسي. وفي هذه المعركة، يبدو أن الحلفاء القدامى بدأوا يعاملون بعضهم بعضاً كخصوم تجاريين.”
إذا اشتعلت “حرب الجمرك” الجديدة، فلن تكون مجرد تكرار لصراعات الماضي. نحن نتحدث عن استهداف لقطاعات حيوية تمس قلب الصناعة الأوروبية، مما قد يؤدي إلى:
شلل في قطاع السيارات الألماني: الرئة التي تتنفس بها الصناعة الأوروبية.


ارتفاع تكاليف الطاقة والتكنولوجيا: مما يعزز التضخم الذي تحاول القارة العجوز جاهدة كبحه.
هروب الاستثمارات: نحو الأسواق الأكثر استقراراً أو نحو الداخل الأمريكي لجني ثمار قانون خفض التضخم (IRA).
هل أوروبا مستعدة للمواجهة؟


تجد المفوضية الأوروبية نفسها اليوم بين فكي كماشة؛ فإما القبول بشروط أمريكية تهمش دورها العالمي، أو الدخول في مواجهة تجارية شاملة لا يملك فيها الجانب الأوروبي نفس “العضلات” الحمائية التي يمتلكها العملاق الأمريكي.
المشكلة الأكبر تكمن في وحدة الصف الأوروبي. فبينما تدفع باريس نحو “السيادة الاستراتيجية” ورد الصاع صاعين، تخشى برلين من ضياع أسواقها التصديرية وتفضل التهدئة. هذا الانقسام هو بالضبط ما يجعل الموقف الأوروبي ضعيفاً في غرف المفاوضات.


الخاتمة: نهاية عصر اليقين
إن أزمة التجارة عبر الأطلسي هي “بروفة” لنظام عالمي جديد، حيث لم يعد التحالف العسكري (الناتو) يضمن التناغم الاقتصادي. إذا لم يستوعب المفاوضون الأوروبيون أن قواعد اللعبة قد تغيرت جذرياً، وأن لغة “المصالح القومية” تغلبت على لغة “القيم المشتركة”، فإن القارة العجوز قد تجد نفسها وحيدة في مواجهة عاصفة جمركية قد لا تبقي ولا تذر من رفاهيتها الاقتصادية.


الكرة الآن في ملعب بروكسل: فهل تبتكر نهجاً جديداً يتجاوز البيروقراطية التقليدية، أم تنتظر حتى يوقع البيت الأبيض مراسيم الرسوم الجديدة

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *