
بقلم د . هاني المصري
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، عادت سيناء لتتصدر المشهد من بوابة القوة والسيادة، مع انطلاق مناورات عسكرية مصرية على مقربة شديدة من الحدود الشرقية. هذه التحركات، التي تأتي في إطار حق سيادي أصيل، لم تمر مرور الكرام في الداخل الإسرائيلي، حيث عكست ردود الفعل حالة من القلق والترقب، خاصة في ظل تداعيات هجوم السابع من أكتوبر وما كشفه من ثغرات أمنية عميقة. وبينما تمضي مصر بثقة في تعزيز جاهزية قواتها المسلحة، تتجه الأنظار إلى الرسائل الاستراتيجية التي تحملها هذه المناورات في ظل واقع إقليمي معقد.
على بُعد أمتار قليلة من الحدود، تنفذ القوات المسلحة المصرية تدريبات عسكرية مكثفة بالذخيرة الحية، في إطار طبيعي يعكس جاهزية جيش يُصنَّف بين الأقوى إقليميًا، ويمتلك خبرة قتالية ممتدة من معارك التحرير إلى حربه الشرسة ضد الإرهاب في سيناء. هذه التحركات، التي تأتي على أرض مصرية خالصة، أثارت حالة من القلق داخل الأوساط الإسرائيلية، وفق ما نقلته وسائل إعلام عبرية، وهو قلق يكشف في جوهره إدراكًا حقيقيًا لحجم وقدرات الجيش المصري.
اللافت أن ردود الفعل داخل إسرائيل لم تخلُ من المقارنات مع سيناريوهات سابقة، خاصة بعد تداعيات هجوم السابع من أكتوبر، وهو ما يعكس حجم الارتباك الاستراتيجي الذي تعيشه المؤسسات الأمنية هناك. فمجرد تنفيذ تدريبات عسكرية مصرية على الحدود، ضمن نطاق السيادة الكاملة، كان كفيلًا بإثارة تساؤلات داخل تل أبيب حول جاهزيتها لأي تطور مفاجئ.
وفي الوقت الذي تصف فيه بعض الجهات الإسرائيلية هذه المناورات بأنها “مقلقة”، فإن القراءة الواقعية تؤكد أنها حق سيادي أصيل لدولة تحمي حدودها وتؤمن أراضيها، خاصة في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية عمليات واسعة لمكافحة الإرهاب، أعادت سيناء من خلالها إلى حضن الاستقرار بعد سنوات من التحديات الأمنية.
إن قوة الجيش المصري لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج عقيدة عسكرية راسخة، وتطوير مستمر في التسليح والتدريب، ورؤية استراتيجية توازن بين حفظ السلام والاستعداد الكامل لحماية الأمن القومي. ومن هنا، فإن أي تحرك عسكري مصري يتم وفق حسابات دقيقة، ويعكس في جوهره سياسة ردع واضحة: السلام خيار استراتيجي… لكن القوة ضمانه الحقيقي.
كما أن اتفاقية السلام الموقعة منذ عقود لم تُلغِ حقيقة أساسية، وهي أن العلاقات الدولية تُبنى على المصالح، وأن الثقة—مهما وُجدت—تبقى محكومة بميزان القوة. لذلك، فإن حساسية الجانب الإسرائيلي تجاه أي نشاط عسكري مصري تعكس إدراكًا بأن مصر تملك من القدرة ما يجعلها قادرة على فرض معادلات جديدة إذا اقتضت الضرورة.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، تواصل مصر تعزيز قدراتها العسكرية، ليس بهدف التصعيد، بل لضمان الاستقرار وحماية حدودها من أي تهديدات محتملة، سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية. فسيناء التي رُويت بدماء الشهداء، ليست فقط أرضًا محررة، بل خط دفاع أول عن الأمن القومي المصري والعربي.
في النهاية، تظل معادلة الأمن في المنطقة محكومة بحقائق لا يمكن تجاهلها، أبرزها أن الدولة التي تملك القوة وتحسن إدارتها، هي القادرة على فرض الاستقرار وحماية حدودها. وما تقوم به مصر اليوم على أرض سيناء هو تأكيد عملي على أن السيادة ليست مجرد شعار، بل إرادة مدعومة بقوة جيش قادر على الردع والحسم. وبينما تتباين القراءات حول هذه التحركات، تبقى الحقيقة الثابتة أن مصر تعرف جيدًا متى تتحرك… وكيف تحمي أرضها… ولماذا تبقى دائمًا حجر الزاوية في معادلة الأمن الإقليمي.

