بقلم/ محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الرجال والرجولة، ولكن كيف تجعل من ابنك رجلا ؟ وهو ولكن من يا ترى الرجل المائة ؟ وهل هو واقع أم خيال؟ وهل هو صورة أو حقيقة ؟ وهل هو أمنية نحلم بها أم شاهد شاخص نسعد به ؟ وإني لأحتسب على الله تعالى أن تكون أنت الرجل المائة، ببذلك وعطائك وبعلمك وعملك وبقولك وفعلك وبمظهرك ومخبرك وبماضيك ومستقبلك، وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة ” الرجل المائة من تطيب المجالس بذكره وتهتف الألسن بشكره وترتفع الأكف والأيدي للمعيد المبدي بالدعاء له والثناء عليه، فهو مبارك أينما كان، في كل مكان وزمان حيثما حلّ وارتحل كالريحانة يعبق بشذاه لكل من يهواه فإذا طلب وجد، وإن غاب فقد.
فهو يسد مسد مائة رجل لا ينفعون ولا يدفعون، ولم أرى أمثال الرجال تفاوتت إلى الفضل حتى عُدّ ألف بواحد، لأنه يعيش لغيره قد نسي نفسه وغفل عن ذاته وتنكر لحظوظ نفسه فعاش للناس يرعاهم ويعتني بهم يعطف عليهم ويتلطف معهم يعطيهم ويبذل لهم، فكم من قتيل لإبليس قد أحياه وكم من صريع للهوى أيقضه من سكرته وهداه وكم من فقير أغناه وكم من محزون واساه وكم من محروم أعطاه وكم من يتيم رعاه وكم من مريض شافاه بإذن الله تعالي، فما أجمل أثره على الناس وأقبح أثر الناس عليه، فهمته عالية وعزيمته ماضية، فهو لا يرضى بالدون ولا يقبل أن يكون في ذيل القافلة ولا في آخر الركب ولا غرو فإن الأسود لا تقع على الجيف ولا تأكل البايت، على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم، وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم.
فالحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم، لقد كان نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم أسوة في أقواله وأفعاله، فإذا أمر بخير كان أسرع الناس إلى تنفيذه، وإذا أبلغ شيئا من الوحي كان أول من يلتزم به، فكان أشد الناس زهدا وورعا، وعبادة تقوى، وأعظمهم شجاعة وشهامة ومروءة وكرما، وأكبرهم تضحية وبذلا وفداء، وأكثرهم صبرا وحلما وعفوا، ولم يكن عجيبا أن تصنع تلك الشخصية المتفردة ذاك الأثر الكير في نفوس الصحابة، ليقدموا نجاحات مبهرة على الصعيد الفردي والجماعي، وفي المجال الحضاري والسياسي والعسكري والاجتماعي، وكما كان من ملامح المنهج المحمدي في غرس القيم في نفوس المسلمين أنه صلي الله عليه وسلم كان قدوة عملية صالحة للمسلمين فما نهى عن شيء وأتاه، وما أمر بشيء إلا وكان أسرع الناس إلى القيام به.
وحينما شرعت الصلاة كان أول ما قال صلي الله عليه وسلم ” صلوا كما رأيتموني أصلي ” وفي ساعات الفزع كان هو أسرع الناس إلى النجدة والتصدي وإغاثة الملهوف، ففزع أهل المدينة ليلة لصوت رهيب، وجلبة عاتية مزقت نياط الليل البهيم، فانطلق أناس قبل الصوت، أي إتجاه الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا قد سبقهم إلى الصوت، وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عُري، والسيف في عنقه وهو يقول ” لن تُراعوا ” وقال الإمام علي بن أبي طالب إنا كنا إذا حمي البأس واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، وقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو، وكان أشد الناس يومئذ بأسا” وكان صلي الله عليه وسلم قدوة مثلى، لا في مواقع النصر فحسب.
ولكن في محن الانكسار، وفي غزوة أحد اشتد الكرب بالمسلمين، وانكشفوا عنه بعد أن خالفوا أمره، وخلص إليه الكفار، فكُسرت رباعيته وشُج وجهه، وجُرحت شفته، ومع ذلك ثبت في موقعه مع قلة من المؤمنين تُعد على أصابع اليد الواحدة، وتمكن صلي الله عليه وسلم ودمه يغطي وجهه من قتل رأس من رؤوس الكفر وهو أبي بن خلف، طعنه رسول الله صلي الله عليه وسلم برمح في عنقه، وبلغ من فزعه أن قال وهو يحتضر فوالله لو بصق عليّ محمد، لقتلني” ولا غرابة أنك تقرأ في قصة ذلك الصحابي الأعرابي الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام يضم أطفاله ويقبلهم فيستشعر ويقول تقبلون الأطفال؟ كأن هذا أمر منفر لطباعه كأنه في هذا تنكيس لهيمنته وتنكيس لكبريائه، قال نعم، قال والله إن لي عشرة من الأولاد ما قبلت منهم أحد.
فقال النبي عليه الصلاة والسلام ” أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك” فهذه المشاعر وهذه الأحاسيس التي يعاني منها كل واحد في هذه الحياة الإنسان يتأثر بما حوله نحن اليوم في العالم كله بأسره انتقلت حياتنا إلى التعامل مع الآلات مع حديد لا إحساس لها ولا مشاعر لها، ولذلك ربما جفت وقلت مشاعرنا نتيجة أن حياتنا كلها تأثرت بهذه الآلات، فصار تعاملنا بهذه الآلات حتى الحديث صار بالآلات عبر الهواتف حتى لو كان فيه المشاعر الرقيقة ليس كالكلام الذي يكون حيا، والذي يكون وجها لوجه.


