جذور النفس | المقال الثاني كيف تُولد المعتقدات التي تحكم حياتنا؟

بعض أفكارنا لم نخترها… ومع ذلك نبني حياتنا كلها عليها.
بقلم: د. إيمان الوليلي
كثيرًا ما نتعامل مع معتقداتنا وكأنها حقائق مطلقة، بينما يخبرنا علم النفس الحديث أن معظمها ليس حقائق، بل تفسيرات عقلية كوّنها الإنسان عبر خبراته وتجارب حياته. والمثير للاهتمام أن هذه المعتقدات تتحول مع مرور الوقت إلى عدسة يرى الإنسان من خلالها نفسه، والآخرين، والعالم من حوله.
فالمعتقد لا يولد معنا، بل يُبنى تدريجيًا، ثم يتحول إلى برنامج ذهني يقود أفكارنا، ومشاعرنا، وسلوكنا، وقراراتنا، حتى وإن لم يكن صحيحًا.
ما هو المعتقد؟
المعتقد هو فكرة يقتنع بها العقل إلى درجة أنها تصبح حقيقة داخلية، بغض النظر عن كونها صحيحة أو خاطئة.
فعندما يعتقد شخص أنه غير قادر على النجاح، فإن هذا الاعتقاد يؤثر في مستوى ثقته بنفسه، وطريقة تعامله مع الفرص، وقد يدفعه إلى تجنب التحديات، مما يزيد من احتمال الفشل، فيبدو وكأن معتقده كان صحيحًا، بينما هو في الواقع ساهم في صنع النتيجة.
ولهذا يصف علماء النفس هذه الظاهرة بـ “النبوءة التي تحقق ذاتها”؛ حيث تؤدي التوقعات إلى سلوكيات تجعل تلك التوقعات تتحقق بالفعل.
كيف تتكون المعتقدات؟
تشير الدراسات في علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب إلى أن المعتقدات تتكون من عدة مصادر رئيسية:
أولًا: الأسرة
تعد الأسرة أول بيئة يكتسب منها الإنسان تصوراته عن نفسه وعن الحياة.
فالطفل لا يملك القدرة على تحليل ما يسمعه، لذلك يستقبل الرسائل المتكررة على أنها حقائق.
مثل:
* أنت ذكي.
* أنت فاشل.
* المال صعب الحصول عليه.
* الناس لا يُوثق بهم.
وكلما تكررت الرسالة، زادت قوة ترسخها داخل العقل.
ثانيًا: الخبرات الشخصية
يميل العقل إلى تعميم التجارب.
فإذا تعرض شخص للخيانة في علاقة واحدة، فقد يكوّن معتقدًا أن جميع الناس خائنون.
وإذا فشل مرة في مشروع، فقد يقتنع بأنه لا يصلح للنجاح.
بينما الحقيقة أن التجربة كانت حدثًا، وليست قانونًا عامًا.
ثالثًا: المجتمع والثقافة
لكل مجتمع مجموعة من الأفكار تنتقل بين أفراده عبر التربية، والتعليم، والإعلام، والعادات، والتقاليد.
ومع كثرة التكرار، تتحول هذه الأفكار إلى معتقدات جماعية يصعب أحيانًا مناقشتها.
رابعًا: التجارب الانفعالية القوية
كلما ارتبط الحدث بمشاعر قوية، مثل الخوف أو الفرح أو الصدمة، أصبح ترسيخه في الذاكرة أقوى.
ويرجع ذلك إلى دور اللوزة الدماغية (Amygdala) في معالجة الانفعالات؛ إذ تسهم المشاعر القوية في تثبيت الذكريات، مما يجعل المعتقدات الناتجة عنها أكثر رسوخًا.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
يوضح علم الأعصاب أن الدماغ يبني باستمرار شبكات عصبية تربط بين الأفكار والخبرات.
وعندما تتكرر فكرة معينة مرات كثيرة، تصبح المسارات العصبية المرتبطة بها أقوى وأكثر سهولة في الاستخدام، ولذلك تتحول بعض الأفكار إلى استجابات تلقائية تحدث دون وعي.
ويمتلك الدماغ كذلك قدرة مذهلة تُعرف باسم المرونة العصبية (Neuroplasticity)، وهي قدرته على تكوين مسارات عصبية جديدة وتعديل المسارات القديمة، وهو ما يفسر إمكانية تغيير المعتقدات مع التدريب والتكرار.
لماذا يصعب تغيير المعتقدات؟
لأن الدماغ يبحث بطبيعته عن الأدلة التي تؤكد ما يؤمن به، وهي ظاهرة تُعرف باسم التحيز التأكيدي (Confirmation Bias).
فعندما يعتقد الإنسان أنه غير محبوب، فإنه يركز على المواقف التي تؤكد هذا الاعتقاد، ويتجاهل عشرات المواقف التي تنفيه، وبذلك يستمر المعتقد في تغذية نفسه.
كيف تتحكم المعتقدات في حياتنا؟
يمكن تلخيص هذا التأثير في سلسلة بسيطة:
المعتقد → الفكرة → الشعور → السلوك → النتيجة
فعندما يكون المعتقد:
“أنا أستطيع.”
تنشأ أفكار إيجابية، ثم مشاعر ثقة، ثم سلوك جريء، فتكون النتائج أفضل.
أما إذا كان المعتقد:
“أنا لا أستطيع.”
فإن السلسلة تسير في الاتجاه المعاكس.
هل يمكن تغيير المعتقدات؟
الإجابة العلمية هي: نعم.
فقد أثبتت الأبحاث أن الدماغ يظل قادرًا على التعلم وإعادة التنظيم طوال الحياة، ويمكن تعديل المعتقدات من خلال:
* الوعي بالمعتقدات الحالية ومصدرها.
* اختبار صحتها بالأدلة الواقعية.
* استبدالها بأفكار أكثر واقعية ومرونة.
* تكرار السلوك الجديد حتى تتكون مسارات عصبية جديدة.
* التعرض لتجارب ناجحة تدريجيًا تعزز المعتقد الجديد.
وتستخدم هذه المبادئ في العديد من الأساليب العلاجية، مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، الذي يهدف إلى تعديل أنماط التفكير غير الدقيقة وتحسين المشاعر والسلوك.
الخاتمة
إن الإنسان لا يعيش وفق الواقع وحده، بل يعيش وفق تفسيره لهذا الواقع. وما نعتقده عن أنفسنا وعن الحياة يوجّه اختياراتنا، ويؤثر في مستقبلنا أكثر مما نتخيل.
ولهذا فإن مراجعة المعتقدات ليست رفاهية فكرية، بل خطوة أساسية في النمو الشخصي والمهني. فعندما يدرك الإنسان أن كثيرًا من معتقداته ليست حقائق، وإنما أفكار اكتسبها مع الزمن، يصبح أكثر قدرة على إعادة صياغة نظرته إلى نفسه وإمكاناته، وفتح أبواب جديدة للنمو والتغيير.
فقد تبدأ رحلة تغيير الحياة من مراجعة فكرة واحدة ظللنا نعتقد طويلًا أنها حقيقة.
وفي المقال القادم من سلسلة “جذور النفس”، نقترب من سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يحتفظ الجسد بما ينساه العقل؟



