بين الجوع والموت.. رحلة البحث عن لقمة العيش الممزوجة بالدماء!

بقلم: جمال القاضي
لم تعد الطرقات السريعة مجرد شرايين للمواكب والسيارات، بل تحولت إلى مسارح مفتوحة لمآسٍ أسبوعية، بطلها الوحيد هو المواطن الكادح، وضحيتها حلم بسيط بالعيش الكريم. أرقام تُتلى في النشرات، وأجساد تُجمع من بين الحطام، في مسلسل دماء لا يبدو أنه سيتوقف، طالما أن ثمن العرق رخيص، وثمن الأمان غائب!
فاجعة على طريق الإسماعيلية.. 32 ضحية في لحظة واحدة
اعتصرت القلوب حزناً على تلك الفاجعة المؤلمة التي شهدها طريق “الإسماعيلية – القاهرة الصحراوي” (أمام وصلة أبو سلطان)، والتي سقط فيها 32 مواطناً من أبناء محافظة الشرقية بين قتيل وجريح؛ حيث زُفّ 18 شهيداً لقوا مصرعهم في الحال، بينما يرقد المتبقون بين جراح غائرة وحالات حرجة تصارع الموت داخل غرف العناية المركزة، إثر تصادم مروع أدى لانقلاب السيارة التي كانت تنقلهم.
حادثة لم تكن هي الأولى، ولن تكون ابدا هي الأخيرة؛ فبالأمس القريب كُسر قلب الوطن على رحيل 19 زهرة من فتيات المنوفية، كنَّ في طريقهن للعمل بمزارع العنب. فتيات بعمر الورد، طحنتهن حديد السيارات العارية قبل أن يحققن أدنى أحلامهن.
تتعدد الأماكن وتختلف التواريخ، لكن القاتل واحد: سيارات نقل مكشوفة (ربع نقل) لا تصلح لنقل البشر، استرخص أصحاب المزارع استخدامها توفيراً لنفقات المواصلات الآمنة، ليُحشر فيها العشرات فوق صندوقها الحديدي، يسيرون بها على طرق الموت بلا أدنى درجات السلامة أو الإنسانية.
مشاهد تدمى لها القلوب.. حكايات غادرت مع أصحابها
وراء كل اسم في قوائم الضحايا والمصابين قصصٌ يدمى لها الحجر؛ مشهد شابٍ في مقتبل العمر، يلملم شتات نفسه كل صباح ليعمل تحت حرارة الشمس المحرقة، يخرج ليوفر ثمن “علبة دواء” لوالديه العاجزين اللذين ينتظران عودته عند الباب. ومشهد أبٍ كابده الشقاء، تطحن الأيام عظام جسده وهو يحارب بعرق جبينه ليعود بقوت أطفاله الصغار، أو ليجمع ما يستره ويُجهز به ابنته.
ولعل الأشد إيلاماً هي قصص أولئك الفتيات والنساء؛ أرملةٌ فقدت زوجها بعد صراع مع المرض، فوجدت نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما أن تفرش كرامتها وتطلب الصدقات من هنا وهناك، أو أنها تخرج للحقول بين الرجال يمتد ظهرها بالانحناء وتكتوي بنظرات العوز، فاختارت العفاف والعمل الشريف لتطعم صغارها وتدفع إيجار غرفة تؤويهم من التشريد. وهذه عروسٌ تشدّ أزر أبيها لتجمع جنيهاً فوق جنيه لتبني بيت المستقبل.
لحظة الارتطام.. يوم تطايرت الأحلام على الأسفلت
تخيّل المشهد في ساعات الفجر الأولى: 32 جسداً متراصين فوق صندوق سيارة نقل مكشوفة، أيدٍ مجهدة تطبق على أدوات العمل، وأبصار تتطلع إلى السماء بدعوات بسيطة بأن يمر اليوم بسلام. وفجأة.. صوت صريخ الإطارات، ارتطام مروع، وتطاير للأجساد في الهواء لتهوي على الأسفلت القاسي.
تتبعثر المقتنيات البسيطة بين الدماء: “حقيبة بلاستيكية بها بقايا طعام، علبة دواء كان يفترض أن تصل لمريض، وقصاصة ورقية أُحصي فيها ما تم جمعه لشراء جهاز العروس”. خرج الجميع يحملون أحلاماً بسيطة في الصباح، لكن هذه الأحلام تبددت في لحظة؛ فمنهم من فاضت روحه إلى بارئها، ومنهم من يرقد بين أجهزة التنفس الاصطناعي، لتبقى الأحلام مجرد أوهام معلقة في سقف الفقر!
مأساة “صناديق الموت” وغياب الأمان
كيف يُسمح لـ “صناديق الحديد المتحركة” أن تجوب الطرقات السريعة وهي تحمل عشرات الأرواح في كف العفار؟ إنها سيارات رخيصة التكلفة في نظر أصحاب العمل، لكنها غالية الفاتورة من دماء الفقراء.
وهنا يطرح السؤال نفسه بمرارة: هل كان هؤلاء ليواجهوا هذا المصير، لو توفرت لهم أبسط مقومات الحياة الكريمة أو فرص عمل تؤمن أرواحهم؟ أين التغطية التأمينية؟ وأين رقابة المرور الصارمة على وسائل نقل العمالة الزراعية والسيارات النقل المكشوفة التي تحول الطرق إلى ساحات إعدام جماعي؟
أين أصحاب القلوب الرحيمة وأين حق الكادحين؟
في الوقت الذي تُهدر فيه أموالٌ طائلة في غير موضعها، تقف هذه الفئة الكادحة في طابور الموت المنسي. ألم يأنِ الأوان لتشغيل أموال التكافل وتوجيه أموال الزكاة والصدقات والجهات المعنية لرعاية هذه الأسر ودعم نقلها بشكل إنساني؟ هؤلاء هم من يستحقون الدعم والنظر إليهم بعين الرحمة والعدل.
عندما يموت “عائل الأسرة” أو يُصاب بعاهة مستديمة، لا تسقط جثته أو سلامته وحدها على الأرض، بل تسقط معه أسر بأكملها في بئر التشريد والضياع؛ صغارٌ يبكون أباً راحل أو عاجزاً، في انتظار شفقة عابر طريق أو صدقة غير مضمونة!
وهنا كلمة أخيرة: متى ينتهي شلال الدماء؟
إن دم شهداء “لقمة العيش” ليس مجرد خبر عابر في الصفحة الأولى أو الأخيرة من الصحف، بل هو صرخة في وجه الضمير الإنساني والمسؤولية المجتمعية. لقد حان الوقت لوضع حد لهذه “المجازر اليومية” على الطرقات، بتقنين نقل العمالة، وتوفير وسائل مواصلات آمنة، وفرض رقابة صارمة على أصحاب العمل والمزارع، وتوفير مظلة حماية اجتماعية حقيقية تكفل للفقراء عيشاً بكرامة.. دون أن يدفعوا حياتهم أو أجسادهم ثمناً لرغيف الخبز!



