بقلم/محسن رجب جودة
كانت الشمس تميل نحو الغروب، تاركةً خلفها خيوطاً أرجوانية تلامس سطح بحيرة قارون الساكن. في تلك اللحظة، لم تكن البحيرة مجرد مسطح مائي، بل كانت مرآة تعكس انكسار الروح التي يحملها “يحيى”.
وقف يحيى بملابسه الريفية البسيطة، جلبابه الذي تلون بطين الأرض وعرق الكدح، يهش بعصاه على قطيع الماشية الصغير. كان يسير بخطوات وئيدة، لكن عقله كان يسير بسرعة الضوء في ممرات المعامل التي هجرها مرغماً.
بين الحين والآخر، كان يخرج من جيبه مفكرة صغيرة مهترئة، لم تكن تحتوي على حسابات تجارة الماشية أو مواعيد الري، بل كانت تعج بخرائط هندسية ومعادلات فيزيائية معقدة تتحدث عن “الديناميكا الحرارية” و”تخليق المادة من الفراغ”.
”يا دكتور يحيى.. الجاموسة شردت!” صيحة أيقظته من ملكوته العلمي، كان “عم مبروك” جاره في الحقل يضحك وهو يرى يحيى شارداً كالعادة. ابتسم يحيى بمرارة، فلقب “دكتور” الذي يطلقه عليه أهل القرية كان من باب السخرية المحببة، لا اعترافاً بشهادته التي حصل عليها بامتياز مع مرتبة الشرف من كلية العلوم.
جلس يحيى على صخرة قديمة تطل على الجزء الأكثر عمقاً في البحيرة. تذكر ذلك اليوم المشؤوم قبل سنوات، حين وقف أمام لجنة المناقشة بالجامعة، يحمل جهازاً صغيراً صممه يدوياً، قاذفاً يطلق كرات صغيرة بحجم حبات البلي.
”يا بني، هذا اختراع يصلح للسينما، وليس للواقع.. نحن نريد ما يفيد الزراعة والصناعة، لا ما يخرج ناراً ولهباً!”*
كانت تلك كلمات أستاذه التي ذبحت طموحه. ومنذ ذلك اليوم، قرر يحيى أن يدفن عبقريته في أرض أجداده، لكنه لم يستطع أن يقتل فضوله العلمي؛ فظل يطور الجهاز سراً في “عشة” صغيرة خلف حظيرة المواشي، محولاً إياها إلى مختبر بدائي يضم مخلفات إلكترونية وقطع غيار قديمة.
في تلك الأثناء، وعلى بعد آلاف الكيلومترات، وتحديداً في مركز عمليات سري بضواحي “تل أبيب”، كان الصمت يسيطر على المكان، يقطعه فقط صوت أزيز الأجهزة. فجأة، انفجر شريط الأخبار العاجلة على الشاشات العملاقة:
”انفجار مجهول في ضواحي حيفا.. كرة نارية عملاقة تتدحرج في الشوارع وتلتهم كل ما يقابلها، والسلطات تعجز عن إطفائها.”
لم تكن مجرد نار. الكاميرات الأمنية رصدت مشهداً غريباً: رجل ملامحه غير واضحة، ألقى شيئاً صغيراً لا يكاد يُرى، وفي ثوانٍ، بدأت تلك “البلية” الصغيرة تمتص هواء المدينة، تتضخم، تتوهج بلون أزرق غريب، ثم تتحول إلى وحش ناري يزأر.
في الفيوم، شعر يحيى بوخزة في قلبه. تحسس جيبه، وتذكر الحقيبة التي سُرقت منه في سكن المغتربين قبل سنوات.. الحقيبة التي كانت تحتوي على “المفتاح” الوحيد الذي يربط بين العلم والدمار.
نظر يحيى إلى البحيرة، ورأى انعكاس النيران في الأفق البعيد (أو هكذا خُيل له)، وهمس لنفسه والدموع تترقرق في عينيه:
”لقد فعلها السارق.. أطلق المارد، لكنه لا يعرف كيف يعيده إلى القمقم.”
في تلك اللحظة، قطعت صوت مروحية عسكرية صمت الريف، كانت تقترب من حقول “سنورس” بسرعة جنونية، وكأن القدر قرر أخيراً أن يطرق باب العالم المنسي وسط قطيعه……انتظرونا في الفصل الثاني ومزيدا من الإثارة والتشويق.


