الفتنة بعد الصلح: حين يكون التعليق أخطر من الرصاصة

بقلم سعديه الشيبانى
في صعيد مصر، لا تنتهي قضايا الثأر عند المصافحة. فما يُبنى في شهور من جهود لجان المصالحات، ورجال الخير، ودموع الأمهات، قد تهدمه كلمة واحدة في تعليق على مقطع فيديو.
لقد أصبحنا نشهد ظاهرة مؤلمة: يتم الصلح، وتُطوى صفحة الدم، وتُذبح الذبائح، ثم يُنشر فيديو الصلح على مواقع التواصل، فتبدأ فتنة جديدة، أشد ضراوة من الخصومة الأولى، فتنة التعليقات.
أولاً: لماذا نُشعل النار بعد أن انطفأت؟
إن المتأمل في تعليقات بعض رواد مواقع التواصل على فيديوهات الصلح، يجدها لا تخرج عن ثلاثة دوافع:
- الحكم على المشهد الأخير دون معرفة الرواية كاملة: مقطع الفيديو لا يتجاوز دقائق، لكن خلفه أشهر من المفاوضات، والوساطات، وكسر النفس، والتنازلات المؤلمة التي لا يعلم حجمها إلا الله وأهل الدم. أن تحكم على كتاب من غلافه ظلم، وأن تحكم على صلح من مقطعه المصور ظلم أعظم.
- المزايدة على دم لم نذق حرقته: أكثر الناس تشكيكاً في الصلح، هم أبعد الناس عن ألم الفقد. من لم يجلس في بيت عزاء، ولم يحمل نعش أخيه، يسهل عليه أن يكتب “أين حق القتيل؟” و “لقد باعوا الدم”. أما أهل الدم، فقد اختاروا ما فيه سكينتهم وصلاح دنياهم وآخرتهم.
- تصفية حسابات قديمة: كثير من التعليقات لا علاقة لها بالصلح الحالي، بل هي فرصة لبعض النفوس المريضة لتصفية حسابات قديمة، وتذكير الناس بخصومات مضت، فيكتب أحدهم ليُحرج طرفاً أو ليُفشل صلحاً لا ناقة له فيه ولا جمل.
ثانياً: الكلمة في قضايا الدم ليست وجهة نظر
في القضايا العادية، قد تكون حرية الرأي مكفولة. أما في قضايا الثأر والدماء، فالكلمة مسؤولية، بل هي أمانة.
حين تكتب في تعليق عام: “هذا الصلح تمثيلية” فأنت تتهم لجنة الصلح بالكذب والنفاق، وتتهم أهل المجني عليه بأنهم قبضوا الثمن وباعوا دم ابنهم، وتُشعر أهل الجاني بأن صلحهم مرفوض ومُهان.
إنك بهذا التعليق لا تُبدي رأيك، بل تزرع بذرة شك في قلب شاب متحمس من هنا أو من هناك، قد تدفعه ليقول: “إن كان الكبار قد ضُحك عليهم، فسأسترد حقي بيدي”. وهنا تكون قد أشعلت فتنة هي أشد من القتل، كما قال تعالى: “والفتنة أشد من القتل”.
ثالثاً: ميثاق شرف للتعامل مع المصالحات على مواقع التواصل
حتى لا نكون شركاء في إراقة دم جديد، علينا أن نلتزم بهذا الميثاق:
- إن لم تكن من أهل المصيبة، فادعُ بالخير أو اصمت:لست مطالباً بأن تبارك، لكنك مطالب بألا تهدم. تكفي كلمة “اللهم أصلح ذات البين” أو الصمت التام.
- الصلح ستر فلا تكشفه: السؤال عن قيمة الدية، أو عن تفاصيل ما تم وراء الكواليس، ليس فضولاً بريئاً، بل هو إهانة للطرفين وإفشاء لستر أراد الله له أن يبقى.
- احفظوا هيبة رجال الصلح:هؤلاء رجال تركوا أعمالهم وبيوتهم، وتحملوا الإهانة والكلام الثقيل ليحقنوا دماءنا. التشكيك فيهم علناً يُضعف مكانتهم، ويجعل غيرهم يزهد في الإصلاح مستقبلاً.
- فكروا في الأجيال القادمة:كل تعليق سلبي يقرأه الأبناء والأحفاد، ويبقى في ذاكرتهم. اتركوا لهم ذاكرة صلح لا ذاكرة شماتة.
ختاماً.
الصلح لا يعني أن الجرح قد شُفي تماماً، بل يعني أن العقل قد انتصر على الألم، وأن الحكمة قد انتصرت على الغضب. وواجبنا جميعاً أن نحمي هذا الانتصار.
إذا لم تستطع أن تكون جسراً للصلح، فلا تكن حطباً للفتنة القادمة. دعوا البيوت تهدأ، ودعوا القلوب



