
هناك سر عجيب لا تذكره كتب الطب ولا يجده الأطباء في معاملهم وأجهزتهم، بل هو من الأسرار التي لا يعرفها إلا من ذاق طعم القرب من الله، ذلك أن للذكر تأثيراً يمتد من الروح إلى الجسد، حتى يكاد يصبح غذاءً بديلاً عن الطعام وعن النوم.
كثير من الذاكرين المداومين على أورادهم في الليل والنهار يجدون أنفسهم فجأة وقد قل نومهم بشكل ملحوظ، ينامون ثلاث أو أربع ساعات في اليوم فقط، ويستيقظون نشيطين مرتاحين كأنهم ناموا ثماني ساعات، لا خمول يعكر صفوهم ولا كسل يثقل أبدانهم ولا إرهاق يشعرون به، وهذا الأمر يثير الدهشة ويحير العقل، لأنه يتعارض مع ما هو معروف عن حاجة الجسد إلى النوم لتجديد الخلايا والتخلص من السموم.
لكن الحقيقة أن الذكر حين يبلغ عمقاً معيناً يقوم بعملية تجديد للخلايا وإراحة للأعصاب تشبه ما يفعله النوم، بل قد تزيد عليه في الفعالية، وكأن الذكر يصبح نومة روحية تغني الجسد عن قسط من نومه الطبيعي، والسر في ذلك أن الذكر العميق يؤثر على الجهاز العصبي والغدد الصماء، فيجعل الجسم يفرز هرمونات الراحة والاسترخاء أثناء الذكر نفسه، فيدخل الجسد في حالة تشبه النوم العميق دون أن يفقد وعيه، فتستريح الأعضاء وتتجدد الخلايا وتُطرد السموم.
والأعمق من ذلك أن الروح حين تتصل بمصدر الطاقة الأصلي تأخذ منه عطاءً يغنيها عن بعض الحاجات الجسدية، فيصبح الجسد أقل احتياجاً للطعام والشراب والنوم، لأنه يستمد طاقته من الله مباشرة وليس من الأسباب المادية فقط، وقد عرف الصالحون والعباد أن للقلب طعاماً وللجسد طعاماً، فإذا أطعمت القلب غذاءه الروحي استغنى الجسد عن بعض طعامه ونومه، لأن الروح تنقل للجسد ما هو ألطف وأبقى من المأكولات والمرقدات
وكانوا يرون أن النوم ليس ضرورة مطلقة بل هو عادة جسدية يمكن للروح أن تتعالى عليها حين تتصل بمنبع الحياة الذي لا ينضب، وهذه الحالة لا تأتي بالتكلف ولا بالإجبار، بل تأتي لمن داوم على الذكر بإخلاص وحضور قلب حتى صار الذكر غذاءً لروحه وجسده معاً، فلم يشعر بنفسه أنه يقلل نومه عمداً، بل وجد نفسه لا يحتاج إلى النوم الكثير كما كان يحتاج من قبل، وكأن جسده قد اعتاد على الطاقة الجديدة واستغنى عن القديمة
ومن وصل إلى هذه المرحلة فقد نال حظاً عظيماً من فضل الله، وليستمر في ذكره بخشوع وطمأنينة، وليعلم أن الله لا يتناهى فضله ولا تنقضي عطاياه، وأن هذه الحالة ليست نهاية الطريق بل هي إشارة على الطريق، فإن الله يمن على من يشاء بما يشاء، وهو القادر على أن يغني عباده عن كل شيء ما داموا متصلين به، فهو الباقي الدائم الذي لا يزول، وعطاؤه لا ينقطع، ومن ذاق هذه الحلاوة عرف أن للذكر من الأسرار ما لا تبلغه كتب الطب ولا تدركه العقول المادية، وإنما يدركه القلب السليم والروح الصافية التي ذاقت طعم القرب من الله


