
بقلم / سهام عزالدين جبريل
مع بزوغ فجر الخميس الماضى الموافق 21 أغسطس، أطلّ علي سماء العرب نجم “سهيل”، ذلك النجم العملاق الساطع ذو اللون المصفر، الذي يعد ثاني ألمع نجم في السماء بعد “الشعرى اليمانية”. وقد ارتبط ظهوره منذ القدم بثقافة العرب وأهل البادية، حتى غدا تقويمًا طبيعيًا يحدد بدايات الفصول، ومواقيت الزراعة والصيد، وأحوال الطقس.

نجم المواسم في وجدان العرب
قالت العرب قديمًا: “إذا طلع سهيل لا تأمن السيل”، في إشارة إلى الأمطار الغزيرة التي تعقب ظهوره. كما ارتبطت به أمثال أخرى شائعة:
وكان أجدادنا يقولون
الصيف أوله طلوع الثريا وآخره طلوع سهيل.
إذا طلع سهيل برد الليل ولا تأمن السيل عقاب الليل.
وإذا طل نجم سهيل يبرد الليل ويصبح المطر سيل، والرطب يهل هيل.
وهكذا شكّل “سهيل” بالنسبة للبدو والفلاحين تقويمًا فلكيًا، يربط السماء بالأرض، وينظم حياة الإنسان بين الرعي والزراعة والصيد.
وهذه الظواهر تتواجد فى البوادى والصحاري العربية وترتبط بأنشطة السكان فى حياتهم اليومية ومواسم ارتبطت بأنشطة حياتية واقتصادية تجارية أو زراعية حيث تقوم فيها مواسم تتدبر فيها شئون حياتهم واقتصاديا تهم ونجد نماذج منها كثيرة *فعلى سبيل المثال
نجد الخريف في شبه جزيرة سيناء.. يمثل موسم الطيور وجنى الثمار
في سيناء، يمثل ظهور “سهيل” بداية فصل الخريف، حيث يبدأ موسم صيد السمان والطيور المهاجرة القادمة من الشمال الأوروبي البارد نحو الجنوب الدافئ. وتُعد سيناء واحدة من أهم مسارات هجرة الطيور عالميًا، فتحول سماؤها في هذا الموسم إلى معبر طبيعي لتلك الرحلات الموسمية.
كما يتزامن طلوع “سهيل” مع موسم جني البلح والرطب وصناعة العجوة، ثم يليه موسم الزيتون، وهي محاصيل شكلت أساس الحياة الغذائية والاقتصادية لأهل سيناء منذ قرون. وقد ارتبطت هذه المواسم بالأهازيج والاحتفالات الشعبية، لتصبح طقسًا ثقافيًا متجذرًا في وجدان المجتمع.
وفى بادية السعودية والحجاز.. نفس الإيقاع الموسمي
ولا تختلف بادية السعودية والحجاز عن سيناء في ثقافتها الموسمية. فقد كان طلوع “سهيل” عندهم إعلانًا بانكسار حر الصيف، وبداية موسم المطر والبرودة النسبيّة. ومعه يبدأ موسم جني الرطب في واحات نجد والأحساء، ويتهيأ البدو لرحلات الصيد والتنقل. وقد حفظت الذاكرة الشعبية في الجزيرة العربية نفس الأمثال التي يتداولها البدو في مصر، وكأنها لغة واحدة توارثتها الأجيال.
ومن الشام إلى شمال أفريقيا.. وحدة ثقافة البادية
وفي بادية الشام (الأردن، سوريا، فلسطين)، كان طلوع “سهيل” علامة على اعتدال الطقس واقتراب موسم المطر. وقد ارتبط عندهم أيضًا بمواسم الصيد، خاصة صيد الحبارى والسمان.
أما في شمال أفريقيا، من ليبيا حتى المغرب وموريتانيا، فقد اتخذ البدو والرعاة من “سهيل” إشارة على بداية موسم الخريف وجني التمور، ومؤشرًا على قرب اعتدال الجو بعد جفاف الصيف. وتوارثت الأجيال هناك أمثالًا شبيهة بأمثال الجزيرة وسيناء، تؤكد أن “سهيل” هو بوصلة البدو عبر الصحارى الممتدة.
بين ثبات النجوم واضطراب المناخ
من الناحية الفلكية، يبقى ظهور “سهيل” ثابتًا لا يتغير، لأنه مرتبط بحركة الأرض حول الشمس. لكنه في الثقافة الشعبية لم يكن مجرد نجم، بل رمزًا لاعتدال الجو، هطول المطر، هجرة الطيور، وجني الثمار. وهنا يظهر أثر التغير المناخي:
قد يتأخر البرد عدة أسابيع بعد طلوع سهيل.
تقل الأمطار أو تتغير أنماطها.
تتأثر مسارات الطيور المهاجرة وأعدادها.
تتقدم أو تتأخر مواسم جني البلح والزيتون عن توقيتها المعروف.
وبذلك أصبح طلوع سهيل علامة فلكية ثابتة، لكن ما يرمز إليه من ظواهر طبيعية لم يعد بالثبات ذاته، بسبب اضطراب المناخ العالمي.
خاتمة: من الحكمة الشعبية إلى التحدي المعاصر
يبقى “نجم سهيل” شاهدًا على عبقرية الإنسان العربي في قراءة السماء وربطها بالأرض. فمنذ سيناء والجزيرة، مرورًا ببادية الشام، وحتى صحراء شمال أفريقيا، توحدت ثقافة البادية حول هذا النجم، ليصبح رمزًا لعلاقة حميمة بين الطبيعة والإنسان.
واليوم، ونحن نراقب طلوع “سهيل”، يتجدد السؤال: هل سيبقى هذا النجم دليلًا لمواسمنا كما كان، أم أن التغير المناخي سيعيد تشكيل تلك المواقيت، ويجبرنا على ابتكار تقاويم جديدة للحياة؟
خالص تحيات
د/ سهام عزالدين جبريل
دكتوراه في الإعلام السياسي والعلاقات الدولية
-زمالة الأكاديمية العسكرية للدراسات الاستراتيجية العليا – عضو البرلمان المصري سابقًا