مقال

وشوشة حروف تفضح الممرات حيث يفضح الدفاع أصحابه

الممر مئة وخمسة عشر
بقلم / محمد جابر

لم تعد الممرات يوما للعبور الخاطف بل غدت محك تصادمي يكشف واقع متلون وأصبحت معيار يضع بعض الأمور فوق مسارها الطبيعي ولا سيما الهوجائية والعبثية التي أضحت جزء من حياتنا اليومية

داخل عالم السوشيال ميديا ليست كل الظواهر الرقمية عابرة كما يظن البعض فثمة سلوك يتكرر أمام أعيننا في فضاء التعليقات حتى بات التوقف والدراسة والتأمل ملزما فعندما ينشر خبر يتناول نمط سلبي أو سلوك عام أو نقد لفئة بعينها دون تسمية كيانات أو أشخاص يندفع بعض المعلقين على نحو لافت إلى رد دفاعي حاد وكأن النص قد وجه إليهم مباشرة

في بدايات كتابة الممرات لم يكن هذا السلوك يثير دهشتي إذ كان الممر حينها يحمل دوائر ضيقة تصيب فئة بعينها لكن مع اتساع الممرات وامتدادها إلى شرائح أوسع برزت مفارقة تستحق التوقف والتحليل وهي أن الاندفاع الرامي إلى إبعاد الشبهة يتحول في نظر القارئ الواعي إلى أداة اتهام كاشفة بعد أن كان يمكن أن يكون ساترا

وتجد هذه الظاهرة تفسيرها في علم النفس عبر ما يعرف بآليات الدفاع النفسي حيث يسعى الفرد عند شعوره بوخز داخلي إلى حماية صورته أمام نفسه وأمام الآخرين فالإنكار والتبرير والإسقاط ليست مجرد مصطلحات أكاديمية بل سلوكيات تتجلى بوضوح في ساحات تعليق مفتوح فعندما يلامس المحتوى منطقة حساسة لدى المتلقي ينشأ توتر داخلي يدفعه إلى رد فعل سريع يهدف إلى نفي الصلة ولو لم يشر إليه صراحة وهنا يصبح من حيث لا يدري كاشفا لنفسه في عين المتابع الواعي

ويرتبط بذلك قدر من عدم الارتياح النفسي فينشأ حين تتصادم صورة الفرد مع مضمون يقرأه في هذه اللحظة يسعى العقل إلى تخفيف التوتر بأي وسيلة وغالبا ما يكون التعليق العلني أحد أسرع مسارات التفريغ النفسي وهنا يتحول الفضاء الرقمي إلى مسرح مكشوف تتجلى فيه الانفعالات قبل أن تمر بمرشحات التعقل والهدوء

ولا يمكن إغفال بعد آخر إذ يخشى بعض الأفراد أن يفسر صمتهم بوصفه إقرار ضمني فيبادرون إلى نفي استباقي قد يكون أشد لفتا للانتباه من الصمت ذاته وهكذا يتحول التعليق من حيث لا يقصد صاحبه إلى إضاءة إضافية على منطقة كان يمكن أن تبقى في الظل لكنه أبى إلا أن يفضح ذاته

وهناك نوع آخر من المتلقين وهم الأكثرية لا يجرؤ على إبداء الرأي في العلن ويكتفي بالصمت حذرا من تبعات التعليق أو من مواجهة الانكشاف فهؤلاء لا يندفعون للدفاع ولا للهجوم بل يراقبون بعين متأملة ويرصدون ما يحدث بصمتهم وحيث أن صمتهم أحيانا أبلغ من الكلام ذاته لأنه يعكس خوفهم من الانكشاف

ومع ذلك فإن القراءة المهنية الرصينة تقتضي الحذر من التعميم فليس كل تعليق دفاعي دليل إدانة إذ قد يكون الدافع أحيانا سوء فهم أو حساسية مفرطة أو تجربة شخصية سابقة أسقطها القارئ على النص العام غير أن تكرار النمط واتساق مؤشراته السلوكية يجعلان الظاهرة جديرة بالرصد والتحليل خاصة داخل ممر أصبحت فيه منصات التواصل ساحات مفتوحة تكشف ما كان مستترا

تكشف هذه الظاهرة أن الكلمة المنشورة لا تقرأ دائما بعين واحدة وأن ما يكتبه الجمهور قد يكون أحيانا أبلغ دلالة من متن الممر نفسه وبين الدفاع المشروع والانكشاف غير المقصود وبين كل ما سبق تبقي مساحة التعليق التأملي مساحة دقيقة لا يدركها إلا من امتلك وعي القراءة بين السطور وهو الرهان الذي بنيت عليه الممرات

وفي نهاية الممر يتضح أن التعليقات الهوجاء سواء كانت بتوقيع داخل الممر أو برسالة تعددت وسائل إرسالها لم تعد صرخات عابرة بل تحولت إلى ناقوس كاشف يفضح بصوته ما حاول أصحابه ستره فحين يتكلم الدفاع أكثر مما ينبغي يفضح ذاته ويكتب اعترافه بيده ويوقع عليه أمام الجميع وهنا لا يفضح الممر أحدا بقدر ما يفضح المتعجل نفسه وتلك هي المفارقة القاسية في ممر صار فيه التعقيب أبلغ من المتن والوعي أستر لكل ذي بصيرة

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *