بقلم/نشأت البسيوني
في حياة كل انسان مساحة واسعة يحاول ان يرتبها كما يرتب غرفته واحلامه وطرق يومه تلك المساحة تسمى بالذات وهي اعمق بكثير مما يراه الناس لانها تجمع نقاط القوة والضعف والاحلام المخبأة والذكريات القديمة والافكار التي لم تخرج للنور بعد وكل هذا يحتاج الى هندسة دقيقة تشبه هندسة البناء لكنها اكثر تعقيدا لانها لا تتعامل مع حجر بل مع روح لا تستقر على شكل واحد
وفي هندسة الذات يعرف الانسان ان كل جزء داخلي يحتاج الى عناية خاصة وان ترتيب الروح لا يتم في يوم واحد ولا خطوة واحدة بل يتم عبر تفاصيل كثيرة صغيرة تدخل في بعضها وتخلق في النهاية شخصية مستقرة قادرة على مواجهة العالم دون ان تفقد توازنها لان هندسة الذات ليست ترفا بل ضرورة تجعل الانسان يفهم نفسه قبل ان يطالب العالم ان يفهمه وفي اللحظة التي يبدأ فيها
الانسان بإعادة تشكيل ذاته يدرك انه كان يحمل اشياء لا تخصه ويتبنى افكارا ليست افكاره ويعيش وفقا لقواعد فرضها عليه المجتمع او التجارب او الخوف من رأي الاخرين فيتخلص منها واحدة تلو الاخرى حتى تصبح روحه خفيفة قادرة على السير دون اثقال الماضي ودون تشوهات العلاقات ودون ذلك الصوت الداخلي الذي يعيد تذكيره بما جرحه يوما وفي هندسة الذات يتعلم الانسان
كيف يصنع حدودا لا يتجاوزها احد وحدودا لا يتجاوزها هو نفسه حدود تحفظ كرامته وتحمي طاقته وتمنع استنزافه وتجعل حضوره واضحا واحترامه لنفسه اقوى لان من لا يضع حدودا لحياته يعيش حياة بلا ابواب يدخلها من يشاء ويخرج منها من يشاء دون ان يترك اثرا سوى الفوضى وفي كل مرحلة من مراحل البناء الداخلي يكتشف الانسان طبقة جديدة من وعيه طبقة كانت مخفية تحت
ضجيج العالم وخوف التجارب وكسل التعود فيعرف انه قادر على ان يكون افضل وان طريق التطور لا يحتاج عبقرية بل يحتاج صدقا وصبرا واصرارا فهندسة الذات هي القدرة على اعادة رسم شخصيتك بطريقة تجعلك اقرب لما تريد ان تكونه بعيدا عن النسخ التي يفرضها المجتمع وفي اعماق هذا العمل الداخلي يدرك الانسان ان اصلاح الذات ليس اعترافا بالضعف بل اعترافا بالقوة لان القوي
هو من يملك شجاعة مواجهة نفسه وتصحيح مساره والاعتراف باخطائه دون خوف من ان يسقط من عين احد فالنضج الحقيقي ليس في ادعاء الكمال بل في رؤية العيوب والعمل على اصلاحها بهدوء وثبات يفهم الانسان ان اعظم اعمال العمر ليست ما يبنيه في الخارج بل ما يبنيه في الداخل لان كل نجاح خارجي هو انعكاس لترتيب داخلي وكل خطوة واثقة في الحياة تبدأ من روح تعرف
قيمتها وحدودها واهدافها ومن ذات تم بناؤها بوعي وصبر وهندسة دقيقة تجعلها تقف بثبات مهما تغيرت الظروف ومهما تبدلت الوجوه من حولها


