مقال

هل قتل “التريند” إنسانيتنا


بقلم : د . هاني المصري

لم تعد الكارثة في الحوادث المؤلمة التي نشهدها يومًا بعد يوم، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها، وفي ردود أفعالنا التي أصبحت أكثر قسوة من الحدث نفسه. لم يعد الألم يوقظ فينا التعاطف، بل أصبح مادة للنشر والتداول، وكأننا أمام مشهد ترفيهي لا مأساة إنسانية.

قرار حظر النشر في بعض القضايا لا يعكس فقط الحرص على سلامة التحقيقات، بل يكشف أيضًا عن إدراك متزايد لحجم الفوضى الأخلاقية التي قد تنتج عن التداول غير المسؤول للمحتوى، حيث يتحول الخبر من واقعة تستوجب التعامل الرصين إلى مادة مفتوحة للتأويل، والمبالغة، وأحيانًا للتشهير وانتهاك الخصوصية.

في هذا السياق، لا يمكن إغفال التأثير العميق لما يعرف بعلم النفس السيبراني، وهو المجال الذي يدرس العلاقة بين الإنسان والفضاء الرقمي، وكيف تؤثر هذه البيئة الافتراضية على سلوكياته وتصوراته. هذا المجال، رغم أهميته، لا يزال مهمشًا في كثير من مجتمعاتنا، في الوقت الذي أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الوعي العام.

الإنسان خلف الشاشة ليس هو ذاته في الواقع، فهناك شعور خفي بالاختفاء يمنحه جرأة مضاعفة، ويقلل من إحساسه بالمسؤولية، وهو ما يفسر كيف يمكن للبعض أن ينخرط بسهولة في نشر محتوى ينتهك خصوصية الآخرين أو يسيء إليهم، رغم أنه قد لا يجرؤ على فعل ذلك في حياته الواقعية. هذه الازدواجية تخلق فجوة خطيرة بين السلوك الحقيقي والسلوك الرقمي.

كما تلعب ما يمكن تسميته بعقلية القطيع الإلكتروني دورًا محوريًا في هذا المشهد، حيث يجد الفرد نفسه منجرفًا وراء موجة جماعية من التفاعل، دون أن يتوقف لطرح تساؤلات أخلاقية أو إنسانية. فحين يرى الجميع ينشرون ويتداولون، يشعر بدافع داخلي للمشاركة، وكأن الامتناع عن ذلك يجعله خارج هذا “التيار”، فينضم دون وعي إلى عملية قد تكون مدمرة لحياة أشخاص آخرين.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه آليات المكافأة داخل هذه المنصات، حيث تتحول الإعجابات والمشاركات إلى محفزات نفسية قوية، تعزز شعورًا وهميًا بالإنجاز والمكانة. هذا الشعور مرتبط بإفرازات كيميائية في الدماغ، مثل الدوبامين، الذي يمنح الإنسان حالة من النشوة المؤقتة، تدفعه إلى تكرار السلوك ذاته بحثًا عن نفس الإحساس، حتى وإن كان الثمن هو انتهاك خصوصية الآخرين أو استغلال مآسيهم.

الأخطر من ذلك هو ما يمكن وصفه بالتفوق الأخلاقي الوهمي، حيث يبرر البعض أفعالهم تحت شعارات مثل “كشف الحقيقة” أو “المطالبة بالعدالة”، بينما هم في الواقع يمارسون نوعًا من التشهير أو التنمر، دون إدراك لحجم الضرر الذي قد يلحقونه بالضحايا. هذه الازدواجية الأخلاقية تمنح الفرد غطاء نفسيًا يريحه من الشعور بالذنب، ويجعله يستمر في هذا السلوك.

ومع تكرار هذه الممارسات، يحدث تحول تدريجي في نظرتنا للآخرين، حيث يتراجع الإحساس بإنسانيتهم، ويحل محله تصور سطحي يرى فيهم مجرد صور أو مقاطع فيديو أو أسماء عابرة. هنا تكمن الكارثة الحقيقية، حين يفقد الإنسان قدرته على التعاطف، ويصبح الألم بالنسبة له مجرد محتوى يمكن استهلاكه أو مشاركته.

هذا التحول لا يمكن فصله عن غياب الاهتمام الكافي بالعلوم الإنسانية في مقابل التركيز المفرط على التخصصات المادية، رغم أن فهم سلوك الإنسان وآلياته النفسية هو المفتاح الحقيقي للتعامل مع هذه الظواهر. فالدول التي أدركت أهمية هذه العلوم استطاعت من خلالها التأثير في مجتمعات بأكملها، بينما لا يزال هذا المجال في منطقتنا بحاجة إلى اهتمام جاد ومنهجي.

إعادة النظر في سلوكنا الرقمي لم تعد خيارًا، بل واجبًا، لأن كل ما ننشره أو نشاركه يترك أثرًا، ليس فقط على الآخرين، بل علينا نحن أيضًا، وعلى شكل المجتمع الذي نصنعه يومًا بعد يوم.

osama elhaowary

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *