مقال

هاجروالرضيع وصخورمكة وزمزم

هاجر والرضيع ..
وصخور مكة وزمزم
خطبة الجمعة:
25/5/2026
بقلم :
د كامل عبد القوي النحاس

أيها المؤمنون… ليس التاريخ العظيم هو ما تصنعه القوة أو المال أو السلطان، بل كثيرًا ما تُولد أعظم التحولات من لحظة يظن فيها الناس أن كل شيء انتهى، فإذا بها بداية تاريخ جديد لا يتوقعه أحد. وقد قرر القرآن هذا المعنى في أصل كلي حين قال الله تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ الأنبياء: 35 أي أن حياة الإنسان كلها ميدان اختبار في الضيق والسعة، في العطاء والمنع، ليظهر صدق العبودية.

أولًا: مكة.. من قلب المستحيل

تخيلوا المشهد… وادٍ لا زرع فيه ولا ماء، لا أنيس ولا حياة، امرأة ورضيع في صحراء ممتدة بلا نهاية، وظهر يبتعد تاركًا خلفه هذا المشهد الثقيل. لو قيس بعقل البشر لكان نهاية لا بداية، لكن سنن الله لا تُقاس بالظاهر وحده، بل بحكمة الغيب الذي يجعل من الضعف بداية قوة. وحين التفتت هاجر إلى إبراهيم عليه السلام سألت سؤال اليقين: هل الله أمرك بهذا فلما جاء الجواب بالإيجاب خرجت الكلمة التي تلخص التوكل: إذن لا يضيعنا، وهو معنى ينسجم مع قوله تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الطلاق: 3.

ثانيًا: السعي حين ينقطع كل سبب

ومع مرور الوقت اشتد العطش، وبكى الطفل، وانقطع كل سبب بشري. لكن هاجر لم تتوقف، بل قامت تسعى بين الصفا والمروة سبع مرات بين خوف ورجاء وضعف ويقين. وهنا تتجلى سنة قرآنية في أن الفرج يرتبط بالأخذ بالأسباب، كما في قوله تعالى لمريم عليها السلام:
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ مريم: 25.
فحتى في لحظة الضعف هناك حركة مأمور بها.

ثالثًا: زمزم حين يخرج المستحيل من الصحراء

ثم انتهى الجهد البشري كله، وبلغت النفس آخر حدودها، فإذا بالماء يتفجر من حيث لا يُتصور. وهنا تتجلى سنة الله:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
الشرح: 5–6
أي أن الفرج ليس بعيدًا عن الشدة بل داخلها. ومن هذا الماء بدأت مكة، لا كمدينة عادية، بل كبداية حضارة خرجت من قلب الانكسار.

رابعًا: حين يُختبر القلب في أعز ما يحب

ثم ينتقل المشهد إلى ابتلاء أعلى، حين يُختبر القلب في أحب ما يملك. قال الله تعالى:
﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ الصافات 102 وهنا يكون الامتحان في التعلقات العميقة لا في الأمور السهلة.

خامسًا: الطاعة التي تفهم معنى الأمر

وجاء جواب إسماعيل:
﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ الصافات: 102

أي أن المرجع هو أمر الله لا الرأي البشري، ثم قال:
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾

إدراكًا أن الصبر توفيق من الله.

سادسًا: لحظة التسليم الكامل

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ الصافات: 103

هنا تتجلى قمة التسليم حين تعلو إرادة الله على كل شعور بشري، لا إلغاءً للمشاعر بل ارتقاءً بها.

سابعًا: لحظة التحول من الابتلاء إلى الكرامة

ثم جاء النداء: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ الصافات: 104–105
أي تحقق المقصود وهو صدق الامتثال، ثم قال تعالى:
﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

و﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ الصافات: 107

فتصير القصة من ابتلاء إلى تكريم.

ثامنًا: رسائل الواقع

نحن نعيش ابتلاءات مختلفة: ضيق رزق، قلق مستقبل، تأخر فرج، خوف على الأبناء، لكن القرآن يعلمنا ألا نحكم على حياتنا من لحظة الضيق، بل من وعد الله الذي يعمل داخل الضيق وخلفه.

خاتمة

إن هذه التضحية لم تكن فقدًا، بل تسليمًا، ولم تكن كسرًا، بل بناءً. ومن فهمها لم يعد يرى الابتلاء عدوًا، بل طريقًا إلى الله، ولا يرى العسر نهاية، بل بداية ليسرٍ قادم لا محالة.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *