ميثاق الذهب
حين يهزم الوفاء الفقد
قصة حقيقية في ثوب أدبي
الجزء الثاني
بقلم الأديب والمفكر: د. كامل عبد القوي النحاس
بالاشتراك مع الكاتبة: نسرين أنور الصباغ
مقدمة:
ليلة الانبعاث وفجر اليقين
حين يصبح الوفاء ميثاقاً غليظاً، تتوارى الكلمات خجلاً أمام عظمة الفعل.
ليست كل الحكايات جديرة بأن تُخلّد في بطون الكتب، لكن بعض القصص يسطع فيها نور الصبر وصدق العهد، فتستحق أن تتحول إلى أدب رفيع يهذب النفوس.
وهذه واحدة من تلك الحكايات..
قصة بيت بسيط في رحاب الإسكندرية، غير أن ما جرى بين جدرانه لم يكن بسيطاً أبداً.
إنها ملحمة رجل لم يتخلَّ عن رفيقة دربه حين أثقلها المرض وأقعدها الوهن،
وامرأة حفظت العهد بدمع العين ونبض القلب بعد أن غاب السند؛ فصار الوفاء بينهما سيرة عطرة لا يطويها الزمن.
إنها شهادة هادئة على أن القلوب التي تتعلم الصبر، تتعلم معه معنى الحب الحقيقي؛ ذلك الحب الذي يبدأ بذرة على الأرض، ولا يكتمل كماله إلا حين تصهره النوازل، فتظل الأرواح صامدة على عهدها حتى المنتهى.
إهداء الجزء الثاني
إلى جميلة.. التي أزهرت في خريف الغياب، كما أينعت في ربيع الحضور.
إلى الروح التي أحالت الوفاء محراباً، وصانت العهد حياً وميتاً.
لحظة المعجزة: انبعاث الروح
كان أمين القلعاوي واقفاً عند عتبة البيت، يجر خلفه تعب سنوات من السهر والانتظار، وقلبه يخفق خفقاً غريباً لا يعرف له سبباً.
ذلك الخفق الذي يجيء أحياناً كرسالة خفية من الغيب، كأن الروح تلمح بنورها ما لم تلمحه العين بعد.
دفع أمين الباب برفق كعادته، وتقدم خطوة في الممر الذي حفظ وقع خطاه سنين طويلة.. ثم توقف فجأة.
رآها.. فتجمد الزمن لحظة بين نبضتين، وكأن القلب نسي كيف يخفق من فرط الذهول.
كانت واقفة!
واقفة كما تقف الشجرة النبيلة التي ظنها الناس يابسة، فإذا بها تستعيد خضرتها في ربيع باغت القلب قبل أن يباغت العين.
ارتدت ثوباً أنيقاً رتبته يداها، وقد صففت شعرها الأشقر بعناية، كأن يداً رحيمة أعادته إلى رونقه الأول.
غير أن عينيها العسليتين ظلتا تائهتين قليلاً، كأن العقل لم يلحق بالجسد بعد، وكأن الروح عادت من سفر بعيد ولم تستفق بعد من دهشتها.
اللقاء المستحيل: صمت الكلمات
فتحت له ذراعيها ببطء، كما تفتح النوافذ العتيقة على نسيم بحر الإسكندرية، وقالت بصوت دافئ يفيض لهفة وحنيناً:
حمداً لله على السلامة.. يا مهجة القلب ويا روح الفؤاد.
لم يرد.. لم يسأل.. ولم يتكلم.
فالسؤال كان أصغر من جلال هذه اللحظة، والكلمات كانت أضعف من أن تحمل ما فاض به الوجدان.
سقط بين ذراعيها باكياً؛ بكاء يشبه انكسار سد ظل سنوات يحبس ماءه، بكاء رجل رأى رحمة الله تمشي أمامه على قدمين.
وكان قلبه يردد في يقين خاشع:
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
دموع الندم: انكسار الكبرياء أمام الوفاء
في تلك اللحظة الفارقة،
كان والدا أمين يرقبان المشهد بذهول شلَّ أطرافهما؛
هما اللذان ألحَّا عليه طويلاً أن يفارقها، وحرَّضاه على الفراق أو الزواج بأخرى طمعاً في وريث يحمل الاسم،
ظناً منهما أن غصن جميلة قد جفَّ للأبد، وأن ربيعها قد ولَّى دون عودة.
دنا أمين منهما والبِشر يعلو وجهه، كأنه يزف إليهما نصراً للروح قبل الجسد.
فما كان من الأبوين إلا أن انخرطا في بكاء مرّ؛ بكاء يمزج بين فرحة المعجزة وندم النفس على ما سلف منها من غلظة القول وضيق الأفق.
ارتمت الأم في حضن جميلة وهي تهمس بحرقة:
سامحينا يا ابنتي.. لقد ضاقت بصيرتنا حين اتسع قلبك، كنا نظن أن البلاء قد كسر حياتنا، فإذا به يمتحن وفاءك ووفاء ولدنا.
أما الأب، الذي كان أكثرهما إلحاحاً على القطيعة، فقد وقف صامتاً طويلاً، ثم قال بصوت متهدج يغلبه الاعتراف:
لقد كان قلب أمين أبصر منا جميعاً.
شكر النعمة: فيض العطاء في أزقة الإسكندرية
لم يستطع أمين أن يحتفظ بفرحه لنفسه؛ كان يشعر أن ما جرى ليس شفاءً لزوجته فحسب، بل هو عطية من السماء لا يليق بها أن تبقى حبيسة جدران بيت.
أراد أن يشرك الأرض في فرحته، فذُبحت العجول ونُحرت الخراف، وأقيمت الموائد شهراً كاملاً في أحياء الإسكندرية العريقة؛
في غبريال، وباكوس، والحضرة، وفي تلك الأزقة التي يسكنها الفقراء الذين تفتقد قلوبهم جبر الخاطر.
كان البيت مفتوحاً كصدر البحر، لا يُرد عند بابه سائل، وكان أمين يطوف على المحتاجين بقلب يملؤه الامتنان، مردداً في خشوع:
وأما بنعمة ربك فحدث.
بيت ينبت فيه الفرح: ثمار الصبر الجميل
مضت الأعوام بعد ذلك بهجة، كأنها تعوض ذلك البيت عما مضى من وجع السنين.
رزقهما الله بتوأم من البنين، أسماهما حسناً وحسيناً، ليكون الأثر من جنس العمل.
وكان أمين إذا حملهما بين ذراعيه يقول مبتسماً في ثقة:
لقد جاءا بعد صبر طويل.. فلن يكونا إلا صابرين.
ثم أهداهما الله ثلاث بنات، كأن القمر اقتطع من ضيائه ثلاثة بدور صغيرة، ملأن الدار ضحكاً وحياة.
وحين كان الجد والجدة ينظران إلى الأحفاد وهم يملؤون الردهات حيوية، كانا يشعران أن الله أعطاهما منحة في صورة درس لن ينسياه أبداً:
أن الوفاء قد يكون سبب بركة مجهولة، لا يراها أصحابها إلا بعد حين.
جميلة بعد الشفاء: حسن التبعل والامتنان
لم يكن شفاء جميلة مجرد عودة للحركة، بل كان انبعاثاً لروح قررت أن ترد الجميل حباً وعشرة.
أقبلت على زوجها بحسن تبعّل أدهش من حولها، كأنها تعوضه بيدها الرقيقة عن كل ليلة سهر فيها يمرضها بيديه النبيلتين.
كانت ترى في خدمته ديناً تقضيه، وعبادة تتقرب بها، وكأنها تتمثل أسمى معاني الوفاء في مدرسة النبوة.
فحسن تبعل المرأة لزوجها، يعدل الجهاد فى سبيل الله
صار البيت واحة سكون، وكان أمين إذا عاد من عمله وجد في الدار طمأنينة لا توصف،
كأن الرحمة التي شفت جميلة لم تترك البيت بعد.
رحاب الطهر: طواف الأرواح في مكة والمدينة
صار للحج والعمرة في حياتهما موعد مقدّس لا يُخلف،
كأن قلبيهما لم يعدا يرتويان إلا من زمزم، ولا يسكنان إلا في رحاب الحرمين.
في مكة المكرمة، كانا يطوفان بالبيت العتيق يداً بيد، والزحام من حولهما يذوب أمام جلال اللحظة.
يسير أمين خلف جميلة كأنه يحوط أمانة الله بجسده، يرقب في عينيها بريق الدموع وهي تنظر إلى الكعبة بشوق من رُدّت إليه روحه.
هناك، عند الملتزم، اختلطت دموع الشكر بدموع الرجاء؛ أمين يشكر ربه الذي ردَّ إليه زهرته، وجميلة تلهج بالدعاء لرجل لم يملَّ خدمتها وهي حطام.
وحين لاحت لهما القبة الخضراء في المدينة المنورة، حلّت السكينة في الصدور كما ينساب الضوء في فجوة بين الجبال. دخلا مسجد النبي ﷺ بأدب المحبين، يقفان عند الروضة الشريفة، مدركين أنهما في روضة من رياض الجنة.
جميلة تهمس في سرها بقلب ملؤه اليقين:
يا رب، احشرني مع نبيك حبيبي، ومع هذا الرجل الصالح الذي كان لي في الدنيا سنداً لا يكلّ.
فيض العطاء: وما لا يقتله الموت
غير أن الأقدار لا تمضي على حال واحدة. ففي رحلة حج، وفي أطهر البقاع، حيث كان الحجيج يرددون بصوت واحد: لبيك اللهم لبيك.. توقف الزمن للحظة فارقة.
سقط أمين بين الجموع بهدوء، كأنه يضع نقطة النهاية في المكان الذي أحب، وكأن قلبه يهمس للزمن:
هذا هو الوفاء.. هنا ينتهي العناء ويبدأ الأثر.
جميلة كانت واقفة مذهولة، عيناها تتسعان كما لو أن العالم كله اختُزل في تلك اللحظة. شعرت بأن الأرض اختفت تحت قدميها، لكن حضور أمين الروحي ظل يلازمها كظل لا يزول، يهمس في قلبها:
في كل خطوة بعد اليوم، وفي كل ابتسامة لأولادك.. هناك أثري.. هناك وجودي.
تحول ألم الفقد عندها إلى قوة داخلية، وبكاؤها صار صلاة، وصمتها صار تأملاً، وعيناها المبتلتان مرآة للروح التي لم يغب أثرها أبداً.
العود الثقيل: سادنة العهد والوفاء
عادت جميلة إلى الإسكندرية في صمت مهيب. عند عتبة البيت، انتظرها الأبناء؛ حسن وحسين، والزهراوات الثلاث، بعيون تحمل السؤال والحنين.
لم يجدوا إلا أحضاناً تواسي قلوبهم التي أدمتها لوعة الفراق.
أمسكت جميلة بأيديهم، وقالت بصوت مرتعش لكنه صادق:
لن نترك إرث والدكم يضيع.. سنحفظه، وسنظل على عهده أبداً.
لم تكتفِ بالدمع، بل جعلت فيض عطائه وكرمه لا يغيب. في كل مناسبة، وفي كل رحلة عمرة، كانت تتحمل مصاريف من انقطع بهم السبيل، حاملة معهم أمانة الدعاء لأمين، قائلة بيقين:
تلك وصية أمين.. فلا تحرموه من صالح الدعاء.
مواسم الشوق: ميثاق الذهب الخالد
كبر الأبناء في كنف هذا الوفاء؛ شبَّ حسن وحسين كفارسين من الزمن الجميل، وقورين كأبيهما، يعتزان بانتسابهما إلى أمين اعتزازاً يفوق فخر الملوك بتيجانها.
أما البنات، فكنَّ رياحين البيت، يبررن بوالديهما برّاً صار حديث الجيران في سكندريتهم الوديعة.
أدارت جميلة تجارة زوجها بعقل راجح، وحفظت اسمه في غيابه بأعظم مما كان في حضوره.
حتى إذا جاء وقت أفراح الأبناء في قصر المنتزه الفاخر، غابت جميلة عن صخب الحفل وجلست فى شرفتها، كما كانت تجلس معه، تناجي طيفه،
وتقدم الوفاء لرجل لم يشهد فرحة أبنائه، فآثرت أن تظل في ظلال ذكراه.
خاتمة: ملتقى الأحباب
مضت الأعوام، وشاب الشعر، وهدأت صراعات الحياة،
لكن ميثاق الذهب ظل براقاً لا يصدأ.
أدركت جميلة بيقينها الصادق أن الدنيا معبر لدار القرار، حيث لا وجع ولا سقم ولا فجيعة.
رحلت جميلة لتجتمع بأمين في الجنة التي وعد الله بها الأخلاء المتقين،
حيث يكتمل شمل الأسرة المؤمنة تحت ظلال العرش.
هناك، في دار الخلود، يكون ملتقى الأحباب، وموت الفراق، فلا طالما قرأت قول الله جل فى علاه.
والذين آمنوا واتبعتهم ذريتم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ..
رحل جميلة ..
وبقى ميثاق الذهب، سيرة عطرة تضيء في أزقة الإسكندرية،
تُعلم الناس أن الحب الصادق تبدأ جذوره في الأرض، وتمتد فروعه في السماء، فإذا هو في الجنة حدائق غناء تجري من تحتها الأنهار.
تم القصة بحمد الله وتوفيقه.


