مقال

من “سماط الخليفة” إلى مائدة المطرية.. رحلة موائد الرحمن في مصر


كتب أشرف ماهر ضلع
بعد النجاح الكبير لمائدة الإفطار الجماعي التي نظمها أهالي المطرية في القاهرة، والتي جمعت آلاف الصائمين في مشهد رمضاني مميز للعام الثاني عشر على التوالي، عاد الحديث مجددًا عن تاريخ «موائد الرحمن» في مصر وجذورها التاريخية الممتدة عبر قرون.
وتُعد موائد الرحمن تقليدًا رمضانيًا عريقًا يهدف إلى إطعام الصائمين، خصوصًا الفقراء وعابري السبيل، حيث تنتشر هذه الموائد في شوارع ومدن مصر خلال شهر رمضان، لتعكس قيم التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع.
جذور تاريخية قديمة
وبحسب كتاب «دليل الأوائل» للباحث إبراهيم مرزوق، فإن أول مائدة إفطار جماعية في مصر أقيمت في عهد الخليفة الفاطمي العزيز بالله الفاطمي، الذي خصص موائد لإفطار الصائمين في جامع عمرو بن العاص.
وكان القصر الفاطمي يجهّز يوميًا خلال رمضان أكثر من ألف قدر من الطعام لتوزيعها على الفقراء، فيما عُرفت تلك الموائد باسم «سماط الخليفة»، وكانت تقام داخل قاعات القصر وتضم كبار رجال الدولة والعلماء.
كما ظهرت آنذاك مؤسسة عُرفت باسم «دار الفطرة»، كانت مسؤولة عن إعداد الكعك والحلوى الرمضانية وتوزيعها على عامة الناس، في واحدة من أقدم صور التكافل الاجتماعي في التاريخ الإسلامي.
توسع في العصور اللاحقة
وفي العصر المملوكي، توسعت هذه الظاهرة بشكل كبير، إذ خصص السلاطين والأمراء أوقافًا خيرية لإقامة موائد رمضان وتوزيع الطعام على المحتاجين، إلى جانب تقديم الحلوى والتمر واللحم والأرز.
كما تشير بعض الروايات التاريخية إلى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد أقام موائد إفطار في حدائق قصره، بينما تذكر روايات أخرى أن أول مائدة رحمن عامة في مصر أقيمت في عهد أحمد بن طولون عام 880 ميلادية.
عودة قوية في العصر الحديث
وفي القرن العشرين عادت موائد الرحمن للانتشار بقوة في مصر، بدعم من مؤسسات خيرية أبرزها بنك ناصر الاجتماعي الذي كان ينظم موائد إفطار ضخمة بجوار الجامع الأزهر.
كما شهد عام 1969 إقامة أول مائدة إفطار مشتركة للمسلمين والمسيحيين في حي شبرا، عندما نظمها القمص صليب متى ساويرس، في خطوة جسدت روح التعايش والتآخي بين أبناء المجتمع.
من التاريخ إلى الحاضر
واليوم، أصبحت موائد الرحمن أحد أبرز ملامح شهر رمضان في مصر، حيث يتسابق الأهالي ورجال الأعمال والجمعيات الخيرية لإقامتها في مختلف الأحياء، لتبقى رمزًا حيًا لقيم التضامن الاجتماعي التي توارثها المصريون عبر العصور.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *