من ساء خلقه عذب نفسه
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن هناك أمور وأعمال أعظم من الفريضة الأولى، وإنها أول الفرائض، وأهم الواجبات وأعظم الحقوق، كيف لا وهي حق الله تعالى على عباده، فهذه الفريضة هي معرفة الله ومعرفة الله بالتوحيد، وتوحيد الله هو أول الأمر وآخره، فهو أول الأمر، لأن الله تعالى لا يقبل من عبد صرفا ولا عدلا حتى يحقق التوحيد وفي الصحيحين أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن “فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله” وفي رواية “إلا أن يوحدوا الله” والتوحيد آخر الأمر كما في حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال “من كان آخرُ كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة” أبوداود والحاكم، وإن من درر الكلام ونفيسه قول الحسن رضي الله عنه من كثر ماله، كثرت ذنوبه، ومن كثر كلامه كثر كذبه، ومن ساء خلقه، عذب نفسه، فنجمع المال لندرك السعادة.
ونبني القصور لنسكن الأنس في قلوبنا ونسافر لننسى أحزاننا، ونسير في كل الطرق وننفق ما في أيدينا لنستمتع بالسعادة ولكن هل هذه هي السعادة، وهناك من طرق هذه الأبواب قبلنا، وجرب هذه الدروب معنا ولكن الجميع يتفق على أن السعادة في طاعة الله والقرب منه، والعمل لدار سعادة لا شقاء فيها ولنعيم لا زوال عنه، وما الدهر والأيام إلا كما ترى رزية مال أو فراق حبيب، وإن امرءا قد جرب الدهر ولم يخف تقلب حاليه لغير لبيب، حيث قال وهب بن منبه مثل الدنيا والآخرة مثل ضرتين، إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، وقال الحسن البصري عجبت لأقوام أمروا بالزاد، ونودي فيهم بالرحيل، وهم يلعبون، فيا أخي المسلم ما هو القياس في هذه الدنيا وبماذا توزن الأمور فهذا علي بن أبي طالب يقول ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر عملك ويعظم حلمك.
ولا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين رجل أذنب ذنوبا فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل في تقوى كيف يقل ما يتقبل، فعجبت لمبتاع الضلالة بالهدى، وللمشتري دنياه بالدين أعجب، وأعجب من هذين من باع دينه، بدنيا سواه فهو من ذين أخيب، فمن أتته الدنيا بخيلها ورجلها وأقبلت إليه بأصفرها وأبيضها، عليه أن يدرك قول الحسن والله ما أحد من الناس بسط له دنياه، ولم يخف أن يكون مكر به فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه، وما أمسكها الله عن عبد مسلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه، واعلموا يرحمكم الله إن كل إعراض عن الإيمان إفساد، فقال الله تعالى فى سورة يونس ” ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين” وإن المرتبة الثانية من الإفساد هو ما يلحق بالذرية والأبناء والأتباع في إقتدائهم بالكبار المتبوعين في مساويهم.
ولهذا قال نبى الله نوح عليه السلام كما جاء فى سورة نوح ” إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا” وإن المرتبة الثالثة هى إفساد الدائرة المحيطة بالمفسدين عن طريق بث أخلاق وصفات ودعاوى الفساد، وذلك بالإسراف في المعاصي حتى يتعدى أثرها إلى غير أصحابها، ولهذا قال نبى الله صالح عليه السلام، ناهيا قومه عن التأثر بالمفسدين كما جاء فى سورة الشعراء ” ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون” وإن المرتبة الرابعة هى إفساد الدائرة الأوسع في المجتمعات، عن طريق إشاعة الأمراض الاجتماعية المفسدة بواسطة المضلين مثل إثارة فتن الشبهات والشهوات، والوقوف في وجه المصلحين وإحداث العقبات في طرقهم زعما بأنهم يقفون ضد مصالح الناس، فقال الله تعالى فى سورة البقرة.
” وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون” وقال الملأ المضلون من قوم فرعون كما جاء فى سورة الأعراف ” أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك”.


