مقال

مكانة المجتمع من التشريع

مكانة المجتمع من التشريع
بقلم/ محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما أما بعد فلكن جميعا أيها المسلمون الموحدون مع الله سلوة الطائعين، وملاذ الهاربين، وملجأ الخائفين، فقال أبو بكر الكتاني جرت مسألة بمكة أيام الموسم في المحبة، فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد رحمه الله أصغرهم سنا، فقالوا له هات ما عندك يا عراقي، فأطرق ساعة، ودمعت عيناه، ثم قال عبد ذاهب عن نفسه، ومتصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار هيبته، وصفا شربه من كأس وده، وإنكشف له الجبار من أستار غيبته، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن عمل فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو لله وبالله ومع الله فبكى الشيوخ وقالوا ما على هذا مزيد.

جبرك الله يا تاج العارفين، واعلموا أن من علق نفسه بمعروف غير معروف الله فرجاؤه خائب، ومن حدث نفسه بكفاية غير كفاية الله فحديثه كاذب، لا يغيب عن علمه غائب، ولا يعزب عن نظره عازب، سبحانه يغفر ذنبا ويفرّج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين، يحيي ميتا ويميت حيا ويجيب داعيا ويشفي سقيما ويعز من يشاء، ويذل من يشاء يجبر كسيرا، ويغني فقيرا ويعلم جاهلا ويهدي ضالا، ويرشد حيرانا ويغيث لهفانا ويفك عانيا ويشبع جائعا ويكسو عاريا ويشفي مريضا ويعافي مبتلى، ويقبل تائبا ويجزي محسنا وينصر مظلوما ويقصم جبارا ويقيل عثرة ويستر عورة ويؤمن روعة، وإن المتابع لأولويات الشريعة والملاحظ لمقاصدها التي يتغياها الشارع يقف بغير كد على مكانة المجتمع من التشريع، وأن صلاحه هو المقصد من وراء إصلاح المعاملات، وتقوية أواصره.

هي الغاية من الحث على التراحم بين أفراده، حتى إن الحدود الزواجر في أحد شقي فلسفتها مرادها حماية المجتمع من تفشي الأمراض الاجتماعية التي تضعف بنيته وتوهي روابطه والأسرة هي الوحدة الصغرى من وحدات بناء المجتمع، وان نجاح أى امة او فشلها متوقف على الاسرة وحالها فان كانت الاسرة ناجحة قوية متحضرة، كانت الأمة كذلك والعكس كذلك فما الأمم الإ نتاج اسر وافراد فقوة الأمم وضعفها يقاس بالاسرة، وإن الاسرة فى اللغة هي مأخوذ من كلمة الأسر وهى بمعنى القوة والشدة، وفى الإصطلاح هي نواة المجتمع الأولى والتي تقوم على أساس من المحبة والإخاء والتعاطف ومجموعة من النظم والقواعد وهى أيضا رابطة اجتماعية تتكون من زوج، وزوجة، وأطفال، أو قد تكون دون أطفال، وقد تتوسع الأسرة لتصبح أكبر من ذلك.

فتشمل أفرادا آخرين كالأجداد والأحفاد، يشتركون في معيشة واحدة، وتتكون الأسرة من أفراد تربط بينهم صلة القرابة والرحم، وتساهم الأسرة في النشاط الاجتماعي في كل جوانبه المادية والروحية والعقائدية والاقتصادية، وللأسرة حقوق مثل حق الصحة، وحق التعلم، وحق السكن الأمن كما للأسرة واجبات مثل نقل التراث واللغة عبر الأجيال، والوظيفة، وإن من أسباب لين القلوب واتعاظها هو التفكر والنظر في أحوال المرضى، والفقراء والمبتلين، وكما أن من أسباب قسوتها هو الاغترار بالصحة والقوة، والغنى والثروة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “انظروا إلى من هو دونكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم” فلو ذهب أي انسان إلي أي مستشفى، ورأى أحوال المرضى وما يقاسونه من الآلام، ولو نظر إلى الفقراء والأيتام.

وما هم فيه من الحاجة والمجاعة، لعرف قدر نعمة الله عليه ولان قلبه، لكن حينما يصرف النظر عن ذلك، وينظر إلى أهل الترف والغنى، وما بأيديهم من زهرة الحياة الدنيا، فإنه يقسو قلبه ويتعاظم في نفسه، وقد أمر الله عز وجل نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يُجالس فقراء المسلمين والمستضعفين من المؤمنين، وأن لا يتجاوزهم إلى أصحاب الثراء والغفلة، وإن الكرم هو عمدة مكارم الأخلاق، فيفتخر به الأبناء والأحفاد، وتتناقله أخبار الركبان، وتدونه الصحف والكتب، ويسجله التاريخ بمداد الفخر على صفحات الأيام، والسخاء والكرم يقلل الأعداء، ويكثر الأحباء، ويغفر الزلات ويستر العيوب، فالسخي محبوب في حياته وبعد موته، والناس يجلونه في حضرته وغيبته، ويقلدونه في قوله وفعله والسخي كلمته مسموعة، وأمره مطاع ورأيه سديد.

وإن الكرم هو إنفاق المال الكثير بسهولة من النفس في الأمور الجليلة القدر، الكثيرة النفع، وهو التبرّع بالمعروف قبل السؤال، والإطعام في المحل، والرأفة بالسائل مع بذل النائل.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *