مقال

لقد كان مشعل هداية وشمعة ضياء


بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الرجال والرجولة وعن الرجل المائة، والرجل المائة يعيش همّ الدعوة إلى الله في كل حال ويحرص على الأجور المتعدية، فالعمر وقف لله تعالى، ليس للنفس منه حظ ولا نصيب والدعوة لا تعيش على فضول الأوقات بل على أفضلها، وتذكرنا المصادر عن رجل عين معلما في بادية من البوادي حيث الصحراء القاحلة والسهول الموحشة والجبال القفراء والأودية الجدباء، ولم يتوانى كما فعل البعض ولم يتقاعس كما صنع الغير، بل أدرك أنه بدأ رحلة العمل ودخل مضمار التسابق على بذل الخير وفعل المعروف، يبصر طلابه يأتون كل صباح بمراكبهم المتهالكه يأخذون من علمه وينهلون من خلقه، وما هي إلا لحظات وكأن شيئا لم يكن، فالصحراء تبتلعهم بعد لحظات من نهاية الدوام كما تلدهم عند بزوغ الصباح ليظل في مدرسته مع نفر قليل.

ممن هم على شاكلته من المعلمين الذين أخذوا يندبون حظهم ويتحسرون على ماضيهم السعيد، فاستشعر الداء ثم شرع في الدواء، فبنى مسجدا صغيرا بجوار مدرسته بمساعدة بعض الصالحين، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” مَن بنى مسجدا لله، بنى الله له في الجنة مثله” ثم أقبل على الأغنياء يلتمس منهم العطاء لأولئك الفقراء فأصبح يعول الأسر ويغني بفضل الله من افتقر ويطعم الجائع ويكسي العريان، ويرشد التائه الحيران وينقل بمركبته من مسّهم السقم وأمضهم المرض إلى حيث يلتمس لهم العلاج، فأحبه الناس من أعماقهم وتعلقوا به كتعلق الغريق بمن ينقذه والقلوب مجبولة على محبة من أحسن إليها وأغدق بفضله عليها، فحفر لهم بئرا بجوار مدرسته ومسجده فشرب الناس ماء نميرا بعد إذ كانوا يتجرعون ماء مالحا أجاجا.

فعن جابر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من حفر بئر ماء لم يشرب منه كبد حري من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة” فأخذ البدو الرحل يستوطنون بجوار دار العبادة ودار العلم، فإذا بالبيوت تبنى والمنازل تشيّد وإذا بالناس يقبلون على حلقات العلم والقرآن التي كان يعقدها في مسجده، حقا وصدقا لقد كان مشعل هداية وشمعة ضياء، هداية وهدية، منحة وعطية، دعوة ودعاء، فتمكن من سويداء القلوب ليغرس فيها العلم والنور، فعن أبي أمامة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر، ليصلّون على معلم الناس الخير ” وجاء بزوجته المرفهة التي أشربت بحضارة التقاعس والخمول، واستشعرت معه الحاجة فوافقت دون لجاجة توحّد الهدف واتحد الطريق.

فانسلخت من جلدها القديم لتمضي مباركة الخطى بين نساء تلك البادية اللاتي استقبلنها كالأرض الجدباء لاعذب الماء، أقبلت تعلمهن الصلاة والتلاوة وتعقد لهن الدروس والمواعظ، فغدت أمّة من الإماء وحدها فيا لله ما أسعدها، حيث قال تعالى “وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون” سنة كاملة مضت كومض البرق، كانت كفيلة بأن تحيل ذلك الظلام الحالك في تلك البادية إلى نور يضيء تلك المسالك، لينيخ حوله العابد والناسك وجاء القرار في نهاية العام بنقل ذلك المعلم إلى مدينته التي ألف ورجوعه إلى مسكنه الذي أعتاد، فأقبل يخاطب نفسه ويحاسب روحه، ولقد غرست بذور الخير في أرض الخير فلماذا أرحل عنها قبل أن أراها يانعة فارعة تسر الناظرين ؟ إنني برحيلي عن هذا المكان أفقد هذا الخير وأُحرم هذا العطاء، وسيأتي بعدي غيري.

فإن كان قليل الهمة فاتر العزيمة لا هدف له ولا غاية، فبذر الخير التي زرعتها أخشى عليها من العطب، فالزرع إن لم يسقى هلك وإن جاء بعدي داعية مبارك، فسيغنم هذا الخير من دوني وسيدرك هذه الأجور التي أنا في أمس الحاجة لها وأشد الفاقة إليها فليس هو بأحق مني بالأجر والثواب من رب الأرباب ووالله إن هؤلاء الناس ليسوا في حاجة لي مثل حاجتي لهم، فأخذ يبكّت نفسه التي ركنت للراحة والدعة والخمول، ويحاسبها على طلبها الكسل والسكون، بعد أن رأى إقبال الناس وتقبلهم وحبهم للخير، فما أطاق فراقهم وما احتملوا غيابه، فمضى إلى مرجعه الرسمي يطالب بالعدول عن النقل الذي سأل، ليستمرّ في تربية من يمسك بعده بخطام الراحلة ويقود القافلة، ورجع ليربي شباب تلك البادية على أن يكونوا سفراء خير ورسل هداية، ورجال عمل وصنّاع حياة وكذلك كان.

وعن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” سبع يجري للعبد أجرهن، وهو في قبره بعد موته من علم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته “.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *