كيف كنا وكيف أصبحنا
كتب ضاحى عمار
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه المصالح، يصبح الرجوع إلى الفكر العميق ضرورة لا رفاهية، لفهم ما الذي تبدّل فينا قبل أن نتساءل عمّا تبدّل حولنا. وبين الأصوات التي حاولت قراءة هذا التحول بجرأة، يبرز علي شريعتي كواحد من أكثر من كشفوا التناقض بين جوهر الفكرة وصورتها في الواقع.
لم تكن أزمة المجتمع يومًا في غياب القيم، بل في تفريغها من مضمونها. فالمسجد الذي كان يومًا مركزًا نابضًا يجمع بين العبادة والعلم والشأن العام، لم يعد في كثير من الأحيان سوى بناء فاخر بلا أثر حقيقي في تشكيل الوعي. هكذا انتقلنا من فضاء يصنع الإنسان إلى مساحة يزورها الإنسان دون أن يتغير.
الفارق لم يكن في الشكل، بل في المعنى. لم يعد السؤال أين نقف، بل كيف نفكر. فقد يكون الإنسان في قلب الطريق أكثر اتصالًا بالحقيقة من وجوده في مكان مقدس وهو مشغول بما لا قيمة له. هنا يتجلى الخلل الحقيقي، حين يتحول المقدس إلى عادة، لا إلى حالة وعي.
وفي خضم هذا التحول، تبدلت طبيعة الصراعات. لم تعد مجرد خلافات فكرية أو عقائدية، بل أصبحت في كثير من الأحيان صراعات مصالح تُدار بذكاء سياسي، بينما يدفع ثمنها البسطاء. وهنا تتكشف خطورة غياب الوعي، لأن الجهل لا يصنع فقط التخلف، بل يغذي الصراعات ويطيل عمرها.
الأخطر أن هذا الغياب لم يكن عفويًا دائمًا، بل ساهمت فيه ممارسات حولت الدين من قوة تحرر إلى أداة تخدير. وعندما يحدث ذلك، لا يكون الابتعاد عن الدين هو المشكلة، بل النتيجة الطبيعية لتشويهه. وهنا تكمن المفارقة القاسية، حين يدفع الأصل ثمن انحراف التطبيق.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم تعثر محاولات التغيير دون التوقف أمام عنصر الوعي. فالثورات التي تنطلق بلا إدراك عميق سرعان ما تفقد بوصلتها، وتتحول إلى مشاريع قابلة للاختطاف. وما إن يُضفى عليها طابع طائفي أو ديني ضيق، حتى تنحرف عن مسارها وتفقد معناها.
وفي تفاصيل الحياة اليومية، تتجلى الأزمة بشكل أكثر وضوحًا. مجتمع يرفع شعارات العدالة، بينما يمارس تناقضاتها في سلوكياته. قد يشيّع إنسانًا مات من الفقر، ثم ينفق ببذخ في مراسم عزائه، في مشهد يكشف حجم الفجوة بين ما نقول وما نفعل.
ولا تقف هذه الازدواجية عند هذا الحد، بل تمتد إلى نظرتنا للمرأة، حيث تُحمّل وحدها أعباء الصورة والسمعة، في ميزان لا يعرف العدل. وهو ما يعكس خللًا أعمق في بنية التفكير، لا في القضايا الجزئية فقط.
في النهاية، تتقاطع كل هذه المشاهد عند نقطة واحدة: أزمة وعي. ليست المشكلة في قلة الإمكانيات، بل في طريقة إدراكنا لما حولنا. هناك من يخشى العقل الواعي أكثر مما يخشى القوة، لأن الفهم هو البداية الحقيقية لأي تغيير.
كيف كنا وكيف أصبحنا ليست مجرد مقارنة بين ماضٍ وحاضر، بل سؤال مفتوح عن الاتجاه. هل فقدنا الطريق، أم أننا لم نحدده من الأساس؟ الإجابة لا تكمن في الحنين، بل في استعادة المعنى. فالمجتمعات لا تنهار حين تضعف، بل حين تفقد قدرتها على الفهم.

