
بقلم ناصر السلاموني
تدخل مدينة غزة منعطفًا مفصليًا هو الأخطر منذ اندلاع الحرب قبل نحو عامين، بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي في 29 أغسطس 2025 تصنيفها “منطقة قتال خطيرة”، في خطوة فتحت الباب أمام عملية عسكرية شاملة بلا هدنة إنسانية ولا توقفات تكتيكية لإدخال المساعدات. هذا القرار أثار تحذيرات أممية من “تسونامي إنساني” يهدد أكثر من مليوني فلسطيني، معظمهم نازحون بلا مأوى، وسط تقارير تؤكد انتشار المجاعة وانهيار المنظومة الإنسانية. وبينما ترى إسرائيل أن غزة تمثل “المعقل الأخير لحماس”، فإن الكلفة الإنسانية والعسكرية والسياسية لهذه الخطوة تبدو غير مسبوقة.
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ أكثر من 514 ألف فلسطيني في غزة يعيشون حالة المجاعة رسميًا، مع توقّعات بارتفاع العدد إلى 641 ألفًا خلال أسابيع قليلة. المستشفيات تعيش حالة انهيار شبه كامل، وشبكات المياه والكهرباء خرجت عن الخدمة، فيما تحوّلت مناطق النزوح مثل المواصي إلى مخيمات مكتظة بالخيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. وفي خضم هذا المشهد، تحاول منظمة الأونروا الحفاظ على دورها كشريان حياة أخير للفلسطينيين، رغم نقص الوقود والموارد والاستهداف المتكرر لمراكزها. ورغم الظروف القاسية، ما تزال الأونروا الجهة الوحيدة القادرة على إيصال المساعدات مباشرة إلى السكان، وسط مطالبات دولية بوقف ما يُوصف بـ”التجويع المُصنّع”.
المشهد العسكري لا يقل قتامة عن الوضع الإنساني. فقرار إسرائيل الأخير يعكس تحضيرًا لاجتياح بري واسع بمشاركة وحدات خاصة مثل “الفرقة 98” المكلّفة بحرب المدن، مع توقعات باستخدام قصف جوي ومدفعي مكثف لتدمير الأنفاق والبنية التحتية، إلى جانب الطائرات المسيّرة ووسائل الاستطلاع الإلكتروني. وفي المقابل، تستعد الفصائل الفلسطينية لمعركة شوارع شرسة عبر الأنفاق والكمائن والعبوات الناسفة، مستفيدة من طبيعة البيئة الحضرية المكتظة التي تُعيق حركة الجيش وتعرقل خططه للسيطرة السريعة.
في هذا السياق الميداني المتوتر، شكّل كمين الزيتون نقطة تحول بارزة. فقد أعلنت مصادر إسرائيلية عن مقتل جندي وإصابة 11 آخرين بجروح خطيرة، إضافة إلى فقدان 4 جنود في كمين كبير نفذته المقاومة الفلسطينية داخل الحي، في عملية وصفتها وسائل الإعلام العبرية بأنها “الأكبر منذ عملية طوفان الأقصى”. وقد دفع ذلك الجيش الإسرائيلي إلى تفعيل ما يُعرف بـ”بروتوكول هانيبال”، الذي يقضي بمنع وقوع الجنود في الأسر بأي ثمن، حتى لو كان الثمن حياتهم. ويُبرز هذا الكمين قدرة المقاومة على الاحتفاظ بالمبادرة الهجومية داخل مناطق سبق أن أعلن الاحتلال سيطرته عليها، كما أعاد ملف الأسرى إلى صدارة المشهد الإسرائيلي وفتح الباب أمام جدل داخلي واسع.
دبلوماسيًا، ينعكس هذا التصعيد على مشهد دولي منقسم بوضوح. فالولايات المتحدة ما تزال تقدم الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل، معطّلة أي قرارات ملزمة في مجلس الأمن عبر استخدام الفيتو، بينما تتخذ بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وإسبانيا وإيرلندا وبلجيكا مواقف أكثر تشددًا وتطالب بالاعتراف بدولة فلسطين. أما روسيا والصين فتواصلان الضغط من أجل وقف العمليات العسكرية وتتهمان إسرائيل بارتكاب جرائم حرب. وعلى صعيد المؤسسات الدولية، تنظر محكمة العدل الدولية في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، فيما رفضت المحكمة الجنائية الدولية طلب إسرائيل إسقاط مذكرة التوقيف بحق نتنياهو وغالانت، وهو ما يزيد عزلة الحكومة الإسرائيلية سياسيًا وقانونيًا.
أما عن السيناريوهات المقبلة، فيتوقع المراقبون عدة مسارات محتملة، أبرزها تصعيد عسكري شامل يقود إلى اجتياح بري جديد وسقوط أعداد هائلة من الضحايا، أو تفاقم الكارثة الإنسانية مع اتساع رقعة المجاعة والنزوح القسري، إضافة إلى احتمال انفجار سياسي داخلي في إسرائيل إذا ازدادت الخسائر وضغوط المساءلة، فضلًا عن احتمال توسع الصراع نحو لبنان أو حتى مواجهة غير مباشرة مع إيران.
ختامًا، بين تصنيف غزة “منطقة قتال خطيرة”، ووقوع “كمين الزيتون” وتحذيرات الأمم المتحدة من “تسونامي إنساني”، تبدو غزة أمام مصير كارثي يضع العالم بأسره أمام اختبار أخلاقي وسياسي عسير. فالإدانات لم تعد كافية، والبيانات لم توقف نزيف الدم. ومع استمرار الانقسام الدولي وتعطيل مجلس الأمن بفيتو أميركي متكرر، يظل المدنيون الفلسطينيون هم الضحية الأولى والأخيرة لسياسات القوة وموازين المصالح، فيما يبقى السؤال مطروحًا: هل ينجح المجتمع الدولي في كبح هذا التصعيد قبل أن يتحول إلى انفجار إقليمي شامل؟