بقلم / محمـــد الدكـــروري
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن النخلة، وعن وجه المقارنه بينها وبين المؤمن، وذكر بعض أهل العصر إستنباطا لطيفا، وهو أن النخلة تشذب في العام مرة حيث يقطع عنها جريدها اليابس، وما آذى من سعفها وشوكها، وإسقاط ما اصفر من ورقها، وقطع وتلبد من ليفها، بأن تنزع طبقة واحدة منه، وهذا هو الأصلح لها فإن النخلة إذا شذبت زادت ونمت.

وصارت أوفر ما كانت من قبل، وإن لم تشذب لا يكون لها جذع، بل تكون كغابة من سعف، أو كرأس إنسان قد نفش شعره بحيث يصبح منظره مخيفا لكل من يراه، وكذلك القول عما حولها من الفسيل والتال لأن هذه تضعف أمها جدا والمؤمن يصوم شهرا من كل عام إيمانا واحتسابا، فيشذب من عيوبه، ويخرج من آثامه، ويمحا عنه ما تقدم من ذنوبه فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول االله صلى الله عليه وسلم ” من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” وإليه الجذع الخاوي النخر، وربما يأتي على النخلة زمن ولم يتبقى منها إلا جذعها القوى بعد أن اقتلعته الرياح الشديدة العاصفة من أصلها فيصير هذا الجذع صريعا خاويا ولقد ضرب االله المثل لذلك فقال جل شأنه في قوم أهلكهم بذنوبهم وبصدهم عن سبيله “كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر”
“إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر فكيف كان عذابي ونذر” ومعني منقعر منقطع من مكانه ساقط على الأرض، وقد شبههم بأعجاز النخل لطول أجسامهم وقوة أبدانهم فتنزعهم نزعا بعنف كأنهم أعجاز نخل تقعرهم فينقعروا، إشارة إلى قوتهم وثباتهم على الأرض، وسخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم، وقال تعالى فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية أي أصبحت أجسادهم خاوية مأخوذة من التشبيه لهم بأعجاز النخل الخاوية، والشيء إذا خوى فرغ ما في داخله، وخواء أجسادهم يكون بخروج ما في بطونهم، وإنبعاجهم من الرفع المتكرر لهم، وضربهم مرارا على ما في الأرض، وقال بعض المفسرين في معني أعجاز هو جمع عجز وهو مؤخر الشيء، وأعجاز النخل أصولها ومنقعر.
أي منقلع عن مغارسه وهو تشبيه لأجسادهم التي إنقطعت رءوسها وتمددت على الأرض جثثا هامدة، وذكر بعض ما كان عليه أهل العلم من إستخراج الفوائد إن الله تعالى قد أهلك هؤلاء بما قدمت أيديهم من تكذيب للرسل وصدهم عن سبل أهل الأيمان، فصاروا إلى مثل هذا الجذع الخاوي بعدما كان ثابتا أصله، قويا فرعه، تنزعهم ريح عذابه ونقمته نزعا بعنف فتقعرهم فلا يبقى لهم ذكر إلا بسوء، وقال ابن عطية وقوله تنزع الناس معناه تنقلهم من مواضعهم نزعا فتطرحهم، وروي عن مجاهد أنها كانت تلقي الرجل على رأسه فيتفتت رأسه وعنقه وما يلي ذلك من بدنه فلذلك حسن التشبيه بأعجاز النخل وذلك أن المنقعر هو الذي ينقلب من قعره، فذلك التشعث والشعب التي لأعجاز النخل، كان يشبهها ما تقطع وتشعث من شخص الإنسان، وقال قوم إنما شبههم بأعجاز النخل.
لأنهم كانوا يحفرون حفرا ليمتنعوا فيها من الريح، فكأنه شبه تلك الحفر بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنخل يذكر ويؤنث فلذلك قال هنا منقعر وفي غير هذه السورة خاوية والكاف في قوله كأنهم أعجاز في موضعالحال ويقرب الشيخ عبد العزيز السلمان هذا المعنى بفائدة فيقول فإنه بلسان الحال يقول لكل واحد منا سأنزل بك يوما أو ليلة كما ترى الناس بعينك يموتون، وقد يكون لأحدهم من المال والجاه والقوة والجمال والعلم والفصاحة والمركز الدنيوي ما يدهش الناظرين له، وقد يكون قد طال عمره وطال أمله حتى مل ومل منه، وبينما هو في حال من النشاط قويا مشدودا أسره، ذا همة تضي الدنيا، قد أقبلت عليه الدنيا من كل جهة وزهت له، إذ تراه جثة هامدة أشبه بأعجاز النخل الخاوية، لا حس له ولا حركة، ولا أقوال، ولا أفعال، قد ضيق على من حوله.
وإذا لم يسرعوا به إلى الدفن يكون جيفة من الجيف تؤذي رائحتها الكريهة كل من قرب منها، هذا كله يكون بعد ذلك النشاط والقوى لأن هادم اللذات نزل به، بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفارا.

