3
بقلم الأديب المفكر
د. كامل عبد القوى النحاس
اليوم الثالث
بشرى الصابرين …
هندسة الروح في زمن الانكسار
استهلال: مخاض الأيام الأولى وتحولات الروح
مع انقضاء الأنفاس الأولى من شهر رمضان المبارك، يبدأ الصائم في عبور جسر خفي ينقله من ضجيج العادة إلى سكون العبادة.
في هذه المرحلة، يعلن الجسد تمرده الصامت عبر الجوع والعطش، لكن الروح في المقابل تبدأ في استعادة سيادتها المسلوبة التي فُقدت طوال العام تحت وطأة الماديات.
إنها لحظة “المخاض الروحي” حيث يكتشف المرء أن الصوم ليس مجرد انقطاع مادي، بل رحلة تخلية من الشوائب لتهيئة الأرض لاستقبال الفضائل.
وفي ذروة هذا الشعور بالجهد، تشرق علينا البشرى من مشكاة التنزيل، لتضع حداً للقلق الفطري، وترسم خارطة الطريق للصابرين.
النص المؤسس: حين تنطق الحكمة الإلهية
يقول الحق تبارك وتعالى في سورة البقرة، الآيات 155-157، واصفاً مآلات الصبر في أبهى صورها:
“وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون”
هذه الآيات ليست مجرد كلمات تتلى في مقام العزاء، بل هي قانون وجودي يحفظ للصائم روحه ويقوده نحو السكينة والطمأنينة.
فالصائم يبذل من جهده وأعصابه صبراً، والله يعده بالبشرى.
والبشارة هنا جاءت مطلقة لتفيد التعظيم، فهي تشمل السكينة في الدنيا، والرفعة في البرزخ، والفوز بالجنة في الآخرة.
إنها النداء الذي يحوّل مشقة الصيام من عبء بدني إلى استثمار روحي رابح، يغذي النفس ويقوي القلب.
الصبر الرمضاني: تشريح المفهوم وأبعاده
الصبر الذي يعيشه الصائم في رمضان هو صبر مركب يتجاوز المفهوم التقليدي للاحتواء السلبي.
إنه فعل إرادي يتكون من أربعة أبعاد وجودية:
1- صبر الكفّ والامتناع: وهو التدريب على قول لا للشهوات المباحة، لترويض النفس على الانضباط أمام المحرمات والفتن في بقية أيام العام.
2- صبر الحلم والترفع: وهو صبر اللسان عن رد الإساءة بمثلها في مشاحنات النهار، وتحويل طاقة الغضب إلى طاقة صمت إيجابي يحفظ وقار العبادة.
3- صبر اليقين القدري: وهو استيعاب الابتلاءات المفاجئة بروح الرضا، فالمؤمن يدرك أن الصوم يرقق حجاب القلب ليرى حكمة الله خلف أوجاع القدر.
4- صبر المكابدة والسمو: وهو الاستمرار في القيام والعمل الصالح رغم وهن الجسد، إيثاراً لغذاء الروح الدائم على راحة البدن الزائلة.
فلسفة الاسترجاع: كيمياء “إنا لله وإنا إليه راجعون”
ما الذي يحدث في كيمياء النفس حين ينطق الصائم بهذه الكلمات عند الشدة؟
قوله “إنا لله” هو عملية تحرير للملكية، فالإنسان يشقى لأنه يظن أنه يملك صحته وماله وطعامه، فإذا فقد منها شيء تألم.
لكن هذا النداء يعيد الأمور إلى نصابها: نحن محض ودائع عند المالك الحقيقي.
أما “وإنا إليه راجعون” فهي تذكير بنهاية الرحلة وقرب اللقاء، مما يجعل كل تعب رمضاني يبدو هيناً أمام عظمة الرجوع إلى الله.
هذا الاسترجاع يحوّل الألم من عائق يثبط الهمة إلى وقود يدفع الروح نحو التطهر والسكينة.
فيوضات الجزاء: صلوات الله ورحمته
الجزاء في الآية جاء بترتيب إلهي مذهل: “صلوات من ربهم ورحمة”.
الصلوات: هي التزكية العليا، أن يذكرك الله في الملأ الأعلى ويثني عليك بصبرك.
إنها المدد النوراني الذي يربط على القلوب الضعيفة فتصير قوية بمدد خالقها.
الرحمة: هي الأثر الملموس، البرد الذي يجده الصائم في صدره، وتيسير العسير في تفاصيل يومه المجهدة.
الهداية: “وأولئك هم المهتدون”،
وهي قمة الهرم، فالهداية هنا هي البصيرة النافذة التي تجعل الصائم يرى الحقائق كما هي، فلا تخدعه المظاهر ولا تزلزله العواصف.
السلوك النبوي: المؤمن بين السراء والضراء
يأتي الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، ليضع اللمسة التطبيقية لهذا المنهج، حيث قال رسول الله ﷺ:
“عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له”
الصيام هو المختبر العملي لهذا الحديث، فالمؤمن يعيش فيه الضراء فيصبر لينال الأجر، ويعيش فيه السراء فيشكر لينال البركة.
هذا التناوب يخلق شخصية متزنة لا تعرف الغرور في الرخاء ولا اليأس في الشدة، وهو الاستقرار الوجداني الأسمى.
تجليات عملية في الحضرة الرمضانية:
تأمل الصبر في تفاصيلنا الصغيرة، فهو الذى يبني الصرح الروحي الكبير:
في العمل: حين يواجه الموظف الصائم تعنت الآخرين بابتسامة رقيقة، هو في حالة صلاة عملية يحقق بها بشرى الصابرين.
في البيت: حين تتحمل الأم مشاق إعداد الطعام وحاجات الأسرة بصبر يبتغي وجه الله، تفتح أبواب الرحمة لبيتها عبر سلوك الصبر.
في العلاقات: التجاوز عن الإساءة والجفاء ليس ضعفاً، بل صبر الأقوياء الذين ترفعت أرواحهم بصيامها عن صغائر الصراعات.
الخاتمة: دعوة للتأمل الوجداني
أيها الصائمون، في ختام اليوم الثالث، وقبل أن تلامس قطرات الماء شفاهكم، تأملوا في حصاد أرواحكم.
مائدة الإفطار هي مائدة الأرض، لكن مائدة السماء بُسطت للصابرين طوال نهارهم بفيوضات الهداية والسكينة.
الصبر ليس مرّاً كما يُشاع، بل هو نفاذ إلى الجمال،
وهو الطريق الوحيد لتلقي صلوات الله.
اجعلوا من كل لحظة جهد في صيامكم فرصة لاستحقاق لقب المهتدين،
لعلنا نخرج من رمضان بقلوب جديدة، لا تخشى الابتلاء، بل تراه جسراً نحو الله.
تأمل اليوم الثالث: هل كان صبرك مجرد انتظار للغروب؟
أم رحلة صعود نحو البشرى؟
تذكر أن الله لا يبشر إلا من استقرت الحكمة في قلبه قبل بدنه.


