مقال

في حضرة الصيام13- الاستغفار: مِمحاةُ الخطايا وبوابةُ الأرزاقِ المغلقةسلسلة مقالات رمضانية


بقلم: الأديب المفكر د. كامل عبد القوي النحاس

ليست أعظم لحظات الصيام ساعة الإفطار…
بل لحظة انكسارٍ خفيّ
يقول فيها القلب:
استغفر الله العظيم…

​استهلال:

غسيلُ الروح في نهرِ الندم
إذا كان الصيامُ طهرةً للبدن من أدران المادة،
فإن الاستغفار جلاءٌ للروح من صدأ الذنوب.
هذا الصدأ الذي يكبلُ الوثبات، ويخمدُ الومضات.
​إن النفس في غمار صراعها قد تزلُّ أو تذهل.
وهنا تتراكم على القلب سحبُ الرَّان، فتحجبه عن رؤية الحق، وتثقلُ كاهل عن المسير.

​هنا يشرقُ الاستغفار في ليل رمضان كـمِمحاةٍ إلهية تطوي الأوزار.
وكمغتسلٍ بارد، يخرج منه الصائمُ نقياً كالفجر،
وديعاً كوليدٍ حطّ رحاله في ضياءِ الكون البكر.

​أولاً: ميثاقُ الأمان.. الاستغفار كحارسٍ للوجود

جعل الله الاستغفار أماناً باقياً، وحصناً من الفناء واقياً.
ربطه الله سبحانه بدفع البلاء ربطاً مصيرياً، فقال:

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الأنفال 33).

​تأمل جلال هذا الستر، فالاستغفار هو الغلاف الذي يقينا عواصف التقصير.

​وفي رمضان، يصبح الاستغفار لغة القلوب.
لغةٌ تدرك أن لا مفرّ من الله إلا إليه.
فليس استغفار الصائم لفظاً عابراً،
بل هو انكسارٌ يرفع، وافتقارٌ يُغني.

وبدون هذا الشجن الروحاني، يظل الصيامُ رداءً لا جسد فيه.

​ثانياً: سيدُ الاستغفار.. هيبةُ العهد وبلاغةُ الإقرار

لخص لنا المعلم الأكبر ﷺ رحلة الأوّابين في ميثاقٍ عظيم، سماه ﷺ سيد الاستغفار.
فهو بمثابة عهدِ ولاءٍ يجدد العبدُ فيه انتماءه للسماء.
عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: سيد الاستغفار أن تقول:

​اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
(رواه البخاري)

​حين يلهج الصائم بهذا العهد، فإنه يمارس كبرياء العبودية.
يقرُّ بالنعمة ليُهذب النفس، ويعترف بالذنب ليستنزل الرحمة.
هذا الذكر يحيلُ الجوعَ توبة، والظمأ أوبة.
فيستمد الصائمُ عزه من وقوفه ذليلاً بباب ربه الكريم، باب من لا تضره المعصية، ولا تنفعه الطاعة.

​ثالثاً: كيمياء الرزق.. حين يفتح الاستغفار مغاليقَ الدنيا

يظن الواهمون أن الاستغفار زادٌ للآخرة فحسب،
وهو في الحقيقة مفتاحٌ للدنيا بامتياز.
تأمل وصية نوح عليه السلام كما سجلها القرآن:

​{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}. ( نوح 10:`12 )

​الاستغفار في هجير الصيام هو بوابةُ العطايا. هو رغدُ العيش، وهدوءُ البال، ونماءُ المال.
فالصائم المستغفر يزيل بلسانه سدوداً وضعتها آثامه.

​وقد جسد الإمام الحسن البصري هذا الفهم حين أتاه رجالٌ يشكون الجدب والفقر والعقم،
فكان جوابُه واحداً: استغفر الله!!
فلما عجبوا من وحدة الدواء مع تنوع الداء، تلا آيات سورة نوح السابقة.

ليؤكد أن الاستغفار هو الترياق الكوني لكل مضائق الإنسان.
(تفسير القرطبي)

​رابعاً: فلسفةُ التطهير.. الاستغفار كـجراحةٍ للقلب

الصيام تخلية، والاستغفار تحلية.
الصيام يُنقي الإناء من كدر المادة، والاستغفار يملؤه بنور الطهارة.
الاستغفار يجعل الصائم رقيق الحاشية، عفَّ اللسان.
​لا يجور على أحد، لأنه يدرك عمق حاجته هو لـعفو الله.

وكما قال الحسن البصري: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة.
(التوبة لابن أبي الدنيا)

​خامساً: جودُ الغفار وبشارةُ النجاة

جعل النبي ﷺ الاستغفار جسراً للعبور من المحن.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:

من لزم الاستغفار، جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب. ( ابو داوود )

​بل إن بركته تمحو خطايا الفرار.
فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف. ( صححه الحاكم)

​هذا الجود يكسر نصل اليأس الذي يغرزه الشيطان في الصدور.
​سأل رجلٌ الحسن البصري: أما يستحي أحدنا من ربه؟ نذنب ثم نستغفر، ثم نعود ثم نستغفر؟
فأجاب الحكيم: ودَّ الشيطانُ لو ظفر منكم بهذا؛ فلا تتركوا الاستغفار أبداً.
(تذكرة الحفاظ)

​الخاتمة:
رمضان.. فرصةٌ لتمزيق الصفحات السوداء
يدعوك الشهر لفتح صفحةٍ بيضاء لا شية فيها.
مستنداً لدعاء المصطفى ﷺ:

اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي. ( متفق عليه )

​لا تجعل رمضان يمضي دون أن تغسل تاريخك بدموع الندم.
استغفر ليرتاح نبضك. استغفر لتتدفق أرزاقك.
استغفر لتكون ممن أثنى عليهم الله فقال:
{وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.
(الذاريات 18)

​فإذا اجتمع ذبول البدن مع انكسار الروح،
بزغت شمسُ القبول، وكنت حقاً من عتقاء الرحمن.
​تأمل اليوم الثالث عشر:

تحسس نبضك الآن: هل ثمة ثقلٌ قديم يؤرقك؟
هل ثمة بابُ رزقٍ موصدٌ تترقب فتحه؟
جرب أن تهمس في سجدة صيامك:
أستغفر الله العظيم،
بصدقِ غريقٍ يرى الشاطئ.
​راقب كيف ستتحلل ذرات القلق؟
وكيف سينتفضُ قلبك حباً؟

​السؤال:

  • ​هل سنجعل الاستغفار روتين لسان، أم نجعله ثورة وجدان تفتح مغاليق السماء؟
  • ​كيف سيكون حال دنياك لو أيقنت أن الله يحب أنين المستغفرين الصادق، أكثر من ضجيج المفاخرين بأعمالهم؟

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *